الثلاثاء، 21 فبراير، 2012

سوريا: نظرات على مشروع دستور ساقط شعبياً!

سوريا: نظرات على مشروع دستور ساقط شعبياً!
2012-02-21


أصدر الرئيس السوري بشار الأسد يوم الأربعاء الماضي مرسوماً يدعو فيه المواطنين السوريين للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد يوم الأحد القادم 26 فبراير. وقد كان الأسد كلف في شهر أكتوبر من العام المنصرم لجنة معينة من قبله لوضع مشروع جديد للدستور كمحاولة منه لإعادة السيطرة على الأوضاع واحتواء ثورة الشعب الثائر في وجه طغيانه واستبداده هو ووالده من قبله وحزبه وتشبثهم بمقاليد الحكم لأكثر من أربعة عقود من الزمان، واعداً بالمزيد من الإصلاحات وأن الدستور الجديد سوف يلبي تطلعات الشعب نحو المزيد من الحريات.
وأخيراً كُشف عن مشروع الدستور الموعود، فقد نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا). فهل حقاً جاء بالمزيد من الإصلاحات كما توحي بعض مواده؟ مثل المادة الثانية التي تؤكد على أن "السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها"، وأنها "تقوم على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب". والمادة (50) منه التي تذهب إلى أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، والمادة الثامنة التي تبين أن النظام السياسي في الدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية وتتم ممارسة السلطة فيها ديمقراطياً عبر الاقتراع. بالطبع الإجابة تتمثل في النفي! فهذا الغلاف الوردي الناعم يبطن في حقيقة الأمر جحيم الطغيان والاستبداد. وقراءة واحدة لبقية مواد الدستور تكشف لنا مدى زيفها.
وفي حوار عميق مع المحامي السوري الأستاذ وليد الحسين تناولنا بعض جوانب هذا المشروع الزائف منها: ما حددتها المادة (84) من مشروع الدستور من شروط فيمن يرشح نفسه لمنصب الرئيس، ونقول لو طبقت هذه الشروط على بشار الأسد في تلك الأثناء عند وراثته الحكم عن أبيه لما توافرت فيه! (لاحظ أن النظام في سوريا جمهوري وليس ملكيا!)، فقد تم في وقتها "تضبيط" الدستور وتقصيره وتفصيله في "خياط" مجلس الشعب لينسجم شرط السن مع عمر الوريث الجديد! كما أن بشار لم يكن حينها مستوفياً شرط أن يكون مقيماً لمدة عشر سنوات إقامة دائمة متصلة في سوريا كما يشترطه المشروع اليوم فقد كان يتابع تخصصه في لندن حتى 1994، كما تدل سيرته الشخصية. علاوة على أن أسماء الأخرس زوجة بشار، وكما هو معروف، كانت تحمل الجنسية البريطانية ومازالت! مما قد يتعارض مع شرط أن يكون الرئيس متزوجاً من سورية!
أما النقطة الأخرى فتتعلق بتوقيت مدة الرئاسة، إذ إن تقرير مشروع الدستور السوري بصوت عال أنه "لا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية"، أمرٌ يجب ألا يخدعنا وهو كذلك لا يدعو للتفاؤل مطلقاً إذ إن الواقع كشف لنا مراراً أن الجمهوريات العربية سرعان ما تعدل دساتيرها قبل انقضاء مدة الرئاسة ليحكم الرئيس مدى الحياة. ورغم ذلك، فإن مشروع الدستور السوري جاء بعد تأكيده على توقيت مدة الرئاسة بنصٍ مضحك للغاية يتمثل في المادة (87) التي تذهب إلى أنه في حال انتهاء "ولاية رئيس الجمهورية ولم يتم انتخاب رئيس جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه حتى انتخاب الرئيس الجديد"! وفي نص آخر مضحك أيضاً يذهب المشروع إلى أنه "إذا حُلّ مجلس الشعب خلال الفترة المحددة لانتخاب رئيس جمهورية جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه..". وطبعاً من يختص بحل مجلس الشعب هو رئيس الجمهورية ذاته!
نقطة أخرى تثير العجب من مدى إمعان واضعي الدستور في الضحك على الذقون، تتعلق بسلطة التشريع، فالمادة (113) من مشروع الدستور تمنح رئيس الجمهورية هذه السلطة ليس خارج فترات انعقاد مجلس الشعب أو حله فحسب، بل أيضاً أثناء انعقاد مجلس الشعب إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك!، وطبعاً الرئيس هو من يقدر الضرورة القصوى! وهذا أمرٌ في غاية الخطورة إذ إن رئيس الجمهورية يملك بذلك سلطة التشريع علاوة على امتلاكه لسلطة التنفيذ. بل إن مشروع الدستور لا يكتفي بمنح كلٍ من هاتين السلطتين للرئيس وتجميعهما في يده، بل يمعن في تكريس الاستبداد أكثر فأكثر فيجعل منه أيضاً رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء ويجعله كذلك من يعين قضاة المحكمة الدستورية العليا التي يقدم لها طلبات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فتتفحصها وتستبعد منها من ترى أنه لم يستوف الشروط. فهل يوجد بعد ذلك استبداد وطغيان!
نستطيع من الآن أن نتوقع نتيجة الاستفتاء الذي سيجري يوم الأحد القادم. فسوف ينقل لنا الإعلام الرسمي بعده بقليل أن الشعب السوري بأغلبية تكاد تصل إلى الإجماع صوت مؤيداً لمشروع الدستور! فهكذا هي الاستفتاءات في الأنظمة التي تغيب عن جوها الحرية لا تكون إلا غطاء لشرعية زائفة لم تقرر لها أصلاً. والثورات لم تأت في حقيقة الأمر لتسقط شرعيتها بل لتكشف أنها أنظمة غير شرعية منذ نشأتها.

halsayed@qu.edu.qa