الاثنين، 29 ديسمبر، 2014

ضمانات منع انحراف القانون عند تنظيمه للحقوق

تخصص الدساتير في الغالب باباً ضمن أبوابها للحقوق والحريات العامة، فالدستور القطري، على سبيل المثال، خصص الباب الثالث منه للحقوق والواجبات العامة، والدستور البرازيلي أطلق على الباب الثاني منه مسمى "الحقوق والضمانات الأساسية"، ودستور جنوب إفريقيا ضمن الحقوق الباب الثاني الذي عنونه بـ"وثيقة الحقوق".
ووجود هذه الحقوق ضمن الدستور الذي هو أسمى وأعلى وثيقة تشريعية في النظام القانوني لكل دولة، يدل على أهمية هذه الحقوق لدى شعب وحكومة هذه الدولة. ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا صحيحاً، إذ تبقى مواد الدستور مجرد حبر على ورق في دولة اللاقانون ودولة اللاحرية.
وتؤكد الدساتير في الغالب على كفالة الحريات وترسيخ المبادئ الجوهرية بصياغة محكمة دون الاسترسال أو الخوض في التفصيلات الدقيقة التي تتركها لأدوات تشريعية أدنى منها، كالقانون كي ينظمها. وهنا تكمن المشكلة، إذ قد ينحرف المشرع العادي عند تنظيمه الحق، فيقيده بدلاً من أن ينظمه، ويخرج عن تلبية قصد المشرع الدستوري إلى تلبية قصد السلطة الحاكمة.
لذا نجد بعض الدساتير قد أدرك هذه المشكلة، فنراه يحيط كفالة الحق قدر الإمكان بالضمانات الضرورية دون ترك تفصيلاته الجوهرية للقانون، فالدستور المصري الجديد على سبيل المثال لم يذهب في كفالته لحرية الصحافة إلى ما ذهب إليه بعض الدساتير بتقرير حكم موجز بسيط لا يتعدى السطر الواحد ينص على أن "حرية الصحافة مكفولة وفقا لأحكام القانون"، بل على خلاف ذلك جاءت مواد الدستور المصري بصياغة أشمل وبضمانات أوسع تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وتقرر أن للمصريين من أشخاص طبيعية واعتبارية، عامة وخاصة حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي. وأن الصحف تصدر بمجرد الإخطار. وأنه يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، لكن يجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب والتعبئة العامة فقط. وأنه لا يجوز إيقاع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون. وأن الدولة تلتزم بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام.
كما نجد بعض الدساتير في سبيل منع القانون من الانحراف عند تنظيمه للحقوق يضع بعض المبادئ الجوهرية التي يجب أن يلتزم بها المشرع العادي، فدستور تونس الجديد (2014) ينص مثلاً على ألا توضع الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات العامة إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها، وأن تتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك، وأن أي تعديل يجب ألا ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في الدستور.
وهذان مثالان قد يساهمان في منع القانون من الانحراف عن قصد المشرع الدستوري عند تنظيمه للحقوق، ولا شك أن الضمانة الأكبر هي أن يوضع القانون من قبل ممثلي الشعب ليكون معبراً عن ضمير المجتمع، وهو أمر يفتقده القانون في الدول ذات المجالس المعينة.
والله من وراء القصد.

الاثنين، 22 ديسمبر، 2014

صوت الشعب ليس بجريمة


صوت الشعب ليس بجريمة
الشرق القطرية، الثلاثاء 23 ديسمبر 2-14

Demonstrations against Spanish government's new anti-protest law in Madrid


في يوم الخميس 11 ديسمبر صدق مجلس النواب في البرلمان الإسباني على مشروع قانون الأمن العام الذي أثار عاصفة عاتية من الانتقادات من قبل أحزاب المعارضة ومجموعات حقوق الإنسان، والتي دعت من خلال مواقعها الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى وقفات ومسيرات احتجاجية شهدتها فعلاً يوم السبت الماضي عدة مدن إسبانية.
مشروع القانون الذي أطلق عليه المحتجون مسمى "قانون تكميم الأفواه، أو قانون الإسكات" يشمل غرامات باهظة ضد من يتظاهر بالقرب من مبنى البرلمان أو المنشآت الاستراتيجية، وضد من يمنع السلطة من إخلاء الساحات التي تشهدها تلك المظاهرات، أو يوجه الإهانة لها في تلك الأثناء، أو ينشر صورًا لرجال الشرطة مما يعرض سلامتهم للخطر.
الحزب الشعبي المحافظ - الذي يمتلك الأغلبية في البرلمان الذي صدق على مشروع القانون وينتمي له رئيس مجلس الوزراء الإسباني - أصدر منذ توليه السلطة في 2011 سلسلة من الإجراءات التقشفية وتخفيض النفقات في مجالي التعليم والصحة لتجاوز الأزمة المالية، مما أثار غضب الشارع في تلك الفترة، فطوق المحتجون الغاضبون البرلمان ودخل بعضهم في مواجهات دامية مع رجال الشرطة.
يرى هذا الحزب أن القانون وضع لضمان سلامة المواطنين والمنشآت الحيوية، بينما يرى المحتجون الذين وضع بعضهم الشريط اللاصق على فمه تعبيرًا عن قمع السلطات للكلمة، يرى هؤلاء أن القانون الجديد يعد انتهاكًا لحرية التعبير والتجمع وضربة للحقوق المدنية والسياسية، وأنه لم يوضع لضمان سلامة المواطنين كما تزعم الحكومة، بل لقمع صوت الشعب المُنكِر لسياسات الحكومة منذ توليها السلطة.
(المتظاهرون ليسوا مجرمين)، (صوت الشعب ليس بجريمة)، و(لماذا يُطلب من الناس السكوت في حين أن أول ما يطلقه الإنسان عند ولادته هو الصراخ؟) كانت هذه بعض الشعارات التي أطلقتها المسيرة الغاضبة. ويعد الشعار أبرز الأدوات المستخدمة في المسيرات والمظاهرات، إنه وقود التظاهر، وكلما كان معبرًا وبكلمات قليلة كان دافعًا إلى التعبئة واستمرارية التظاهر وصموده وانتشاره، إنه السلاح الوحيد الذي يحمله المتظاهرون السلميون، ولا يحتاج حمله إلى ترخيص.
ترى ما الذي يجعل بعض الدول الغربية تعدل من تشريعاتها نحو المزيد من تقييد الحريات، هل وضعت تلك التشريعات في زمن الترف الديمقراطي، ولم تعد صالحةً لدول تربط الحزام وتكتم أنفاسها لتتجاوز أزمتها المالية.
في تشريعاتنا العربية لا تقتصر عقوبة مخالفة قوانين التظاهر والمسيرات على الغرامة بل تقترن بالحبس أيضًا، ونادرًا ما نشاهد في محيطنا القريب وقفات احتجاجية ضد قانون أو تشريع سوف يصدر!، هل يعود ذلك إلى غياب منظمات المجتمع المدني الحقيقية والأحزاب السياسية الحقيقة!، مما يغيب معها الوعي بخطورة مثل تلك التشريعات؟ أم أن الوضع الاقتصادي الجيد الذي تعيشه بعض شعوب المنطقة يساهم في تخديرها عن تشريعات قد تُودي بحياتهم في المستقبل! أم لأن ليس للشعب دور في وضع القانون من الأساس فيؤدي ذلك إلى ضعف اهتمامه به.
بقي أن نقول إنه مهما حملت قوانين التظاهر والمسيرات من عقوبات صارمة، فإنها تصبح عديمة الفائدة إن عم الغضب الشعب كله، فالقانون ضمير المجتمع، وبقاؤه مرهون برضاه عنه.
والله من وراء القصد.

الثلاثاء، 16 ديسمبر، 2014

قانون أسرار الدولة، وحق الحصول على المعلومات


قانون أسرار الدولة، وحق الحصول على المعلومات
الشرق القطرية، الثلاثاء 16 ديسمبر 2014




في الأسبوع الماضي تناقل الإعلام خبر الوقفات الاحتجاجية التي شهدتها اليابان قبيل سويعات فقط من موعد دخول قانون أسرار الدولة حيز النفاذ،هذا القانون يسمح- كما يرى واضعوه- بالتعاون وتبادل المعلومات الحساسة مع الدول الأخرى لاسيَّما أمريكا وإقامة علاقات أكثر صلابة في المجال الأمني.
بينما يرى المحتجون في هذا القانون ضربة قاسية للديمقراطية، يحول الدستور الياباني إلى مجرد أوراق عديمة الفائدة،فمن خلال هذا القانون ستنكمش حرية الإعلام والرأي والبحث العلمي، وسينتهك حق الشعب في المعرفة وفي الحصول على المعلومات، وسوف تحرم الصحافة من التحقيق في الأخطاء التي ترتكب من قبل الجهات الرسمية.فهذا القانون علاوة على ما يقرره من عقوبات قاسية بشأن من يسرب هذه المعلومات أو في شأن من ينشرها، يمنح مسؤولي الوزارات والهيئات أمر تصنيف ما يدخل تحت مفهوم أسرار الدولة من معلومات في مجالات الدفاع ومكافحة الإرهاب والتجسس والدبلوماسية، وهنا تكمن الخطورة إذ يؤدي ذلك إلى التوسع في مفهوم أسرار الدولة مما يؤدي إلى توسيع دائرة التجريم.
وبعيدًا عن اليابان واحتجاجات شعبها ضد قانون أسرار الدولة، ومع غيبة النص على الحق في الحصول على المعلومات في أغلب الدساتير العربية، نجد أحدث دستورين صدرا في عام 2014 في الوطن العربي وهما الدستور التونسي والدستور المصري ينصان على هذا الحق صراحة، فالفقرة الأولى من المادة (23) من دستور تونس تنص على أن "تضمن الدولة الحق في الإعلام والحق في النفاذ إلى المعلومة"، والفقرة الأولى من المادة (68) من الدستور المصري تنص على أن "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها وقواعد إيداعها وحفظها والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا".
ولا شك في أن من حق الدولة أن تحجب بعض المعلومات والأسرار الأمنية محافظة على سلامة المجتمع، وأن تنص قوانين العقوبات فيها على عقوبات مغلظة في حق من يفشي أسرار الدفاع عن الدولة، لكن في الوقت ذاته لا يكون ذلك غطاءً تشريعيًا للتستر على عمليات الفساد الإداري والمالي للمسؤولين وإساءة استغلال السلطة التي لا محالة تعرض أمن الدولة الاقتصادي لكارثة أكبر.
ومن جانب آخر فإن أي قانون يصبح أكثر خطورة على الحريات عندما تكون مواده غير محكمة، أو أحكامه غير واضحة، مما يتيح التوسع في تطبيقه وفي تفسيره بشكل قد لا يخلو من العشوائية، ناهيك عما تسببه العقوبات الواردة فيه إلى خوف أي موظف أو مسؤول حتى من الحديث عن موضوعات بعيدة عن الحظر وذلك لتجنب الوقوع في دائرة المحظور، مما ينعكس سلبًا على تفعيل الرقابة على أعمال السلطة لاسيَّما من منظمات المجتمع المدني.
وفي الختام أتمنى ألا نستورد قانون أسرار الدولة من اليابان، رغم أن الكثير من مسؤولينا وموظفينا ليس بحاجة لمثل هذا القانون لمنع أية معلومة مهما كانت بعيدًا عن السرية. والله من وراء القصد.