الجمعة، 28 يناير 2011

إلى متى يبقى قضاؤنا أجنبياً؟

إلى متى يبقى قضاؤنا أجنبياً؟
2007-02-06


نص المادة (27) من قانون السلطة القضائية القطري على الشروط الواجب توافرها في من يتولى القضاء واولها (أن يكون قطري الجنسية، فإن لم يوجد فمن مواطني إحدى الدول العربية).. إن اشتراط المواطنة فيمن يتقلد القضاء شرط درجت عليه تشريعات السلطة القضائية، وذلك لايمان المشرع في الكثير من الدول بان القضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة، يجب ان يرتسم بألوان علم هذه الدولة، ويحمل هويتها، ناهيك عما ذهب اليه اساتذة القانون من ان القاضي الوطني اكثر دعما لنزاهة القضاء وعدله، واكثر ثقة في نفوس المتقاضين وارتياحهم فهل هذا الامر متحقق لدينا في محاكمنا».

نرى انه بالرغم من مضي خمس وثلاثين سنة على انشاء المحاكم العدلية في دولة قطر (1971) وما سبقتها من محاكم متخصصة منذ بداية الستينيات من القرن الماضي لمحكمة العمل، ومحكمة المرور ومحكمة البلدية والمحكمة الجزائية، إلا ان اغلب قضاتنا مازالوا غير قطريين! إن ما اكتبه اليوم ليس تعريضا بنزاهة القضاة غير القطرين «معاذ الله» فالعدل والنزاهة ليست حكرا على الوطنيين دون الاجانب، ولكن أليس الامر يستحق ان تقف الدولة امامه لمعرفة اسبابه! ومن وراءه!

بل قلة عدد القانونيين القطريين هي السبب؟ إن فلول الخريجين القطريين سنويا من كلية القانون من جامعة قطر وغيرها من كليات الحقوق في الجامعات الاخرى لا تدل على انه السبب وراء ندرة القضاة القطريين في محاكمنا! بل ان هناك مهناً واعمالاً قانونية نظمها المشرع القطري في مراحل متأخرة عن القضاء نشهد فيها العنصر القطري متغلبا على غيره ان لم يكن منفردا، كالمحاماة والنيابة العامة وادارات الشؤون القانونية.

ثم إن الامر لا يعود إلى الكم بل الى المعايير والمؤهلات! هل للمعدل والتقدير اهمية؟ أم ان لاسم الجامعة دوراً؟ إن من يرجع الى الكليات التي تخرج منها قضاتنا الحاليون لا يجدهم من خريجي كيمبرج أو اكسفورد البريطانية أو يل أو هارفارد الامريكية، بل ان بعضهم خريج جامعة بيروت «بالانتساب»، كما ان تقادير البعض عند التخرج متواضعة ولا ترقى الى الامتياز أو جيد جدا!

هل تواضع المخصصات المالية لهذه الوظيفة المقدسة سبب لعزوف القانونيين القطريين عنها بحيث تجتذبهم وظائف قانونية أخرى؟ أم إن هناك اسباباً اخرى ادارية أو نفسية تخشى العنصر القطري وتطمئن للعنصر الاجنبي وتشعر معه بالاستقرار والدوام.

والله من وراء القصد

جمعية حماية الدستور

جمعية حماية الدستور
2007-01-30


يعتبر الدستور التشريع الأسمى في أي دولة، فاحترام أحكامه ومبادئه واجب على جميع السلطات العامة فيها، فهذه الأخيرة لم تكن لتوجد لولا نص الدستور عليها وعلى اختصاصاتها. لذا تتضمن الدساتير نصوصا تعالج رقابة مدى احترام القوانين واللوائح لأحكامها وهو ما يطلق عليه أساتذة القانون الدستوري المسمى «الرقابة على دستورية القوانين».

وتذهب دساتير الدول مذاهب مختلفة في تنظيم الرقابة على دستورية القوانين فمنها ما يجعلها رقابة سياسية عن طريق هيئة تتشكل من أعضاء معينين أو منتخبين تقوم برقابة سابقة أو لاحقة على إصدار القوانين، ومنها ما تجعل هذه الرقابة للقضاء، وهنا قد تذهب بعض الدول إلى جعل الأمر للمحكمة التي ينظر أمامها نزاع ما وأثيرت خلاله مسألة عدم دستورية نص، فتفصل فيه ثم تقضي في النزاع، في حين تذهب دساتير أخرى إلى جعله لجهة قضائية مركزية تحال إليها مسائل عدم دستورية القوانين.

وكثيرا ما تمنع قوانين إنشاء المحاكم الدستورية في بعض الدول، الأفراد العاديين من رفع مسألة عدم دستورية القوانين أمامها بطريق مباشر، إذ تجعل هذا الأمر للحكومة أو البرلمان أو للأفراد، ولكن عن طريق الدفع الفرعي، بحيث تفصل المحكمة التي ينظر النزاع أمامها في مدى جدية هذا الدفع أولاً ثم تحيله للمحكمة الدستورية إن رأت جديته.

ولما كان احترام الدستور واجباً على جميع أفراد المجتمع وفقا للمادة «57» من الدستور، ويهم كل أفراد المجتمع فباحترامه يتحقق مبدأ سيادة القانون وتكفل الحقوق وتضمن عدم اعتداء سلطة على اختصاصات سلطة أخرى. لذا تبادر إلى ذهني قيام عشرين شخصا أو أكثر باتباع الإجراءات القانونية نحو تأسيس جمعية علمية وفقا لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم «12» لسنة 2004، يطلق عليها مثلاً «جمعية حماية الدستور»، يكون دورها تفعيل احترام الدستور ودراسة النصوص القانونية التي قد تتعارض مع أحكام الدستور وتقديمه للجهات المعنية وذلك كله في اطار علمي موضوعي وبحث قانوني وفقا لنص المادة «47» من الدستور التي تقضي بأن حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة.

ولا شك أن إنشاء جمعية علمية وفقا لمواد الفصل الأول من قانون الجمعيات لا يتطلب دفع رسم مقداره خمسون ألف ريال كما هو الشأن في تأسيس الجمعيات المهنية، مما يرهق كاهل المؤسسين وتمنع مادياً من ممارسة حقهم الدستوري في تكوين الجمعيات والمكفولة وفقا للمادة «45» من الدستور.

هذا والله من وراء القصد.

أعمال محصنة من نظر العدالة

أعمال محصنة من نظر العدالة
2006-12-05


نصت المادة (13) من قانون السلطة القضائىة القطري على أنه «ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة ومسائل الجنسية)! فما هي هذه الأعمال التي أضفى القانون عليها حصانة ضد رقابة العدالة؟ فلا يمكن لأحد أن يرفع للقضاء مظلمته في أمر قد يتعلق بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذين المصطلحين الغامضين! ولايمكن للمحاكم أن تفصل في مدى مشروعيتها أو إلغائها أو حتى التعويض عن الأضرار الناجمة عنها.

وأعمال السيادة التي جاءت في نص المادة السابقة نظرية قد اختلف اساتذة القانون والقضاء في تحديد مفهومها ووضع معيار محدد لبيان ما يدخل في نطاقها وهي نظرية تعود في نشأتها لأسباب سياسية قد تبررها في تلك الحقبة التاريخية الغابرة، وذلك عندما أحس مجلس الدولة الفرنسي بعد سقوط نابليون وعودة الملكية لفرنسا مرة أخرى بعدم ارتياح النظام السياسي الجديد من وجوده لاعتباره من مخلفات العهد البائد فقرر مجاملتها باستبعاد الأعمال التي تثير حفيظتها السياسية من رقابته القضائية لكي يحافظ على بقائه ووجوده ويدعم رقابته على بقية الأعمال الأخرى. إلا أننا في زمن لايبرر الأخذ بهذه النظرية لما فيها من تحلل من حكم القانون والخروج على المبادئ الدستورية السامية واطلاق ليد السلطة التنفيذية دون قيد أو رقيب عليها فتسهل بذلك الاعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم، لذلك هاجم غالبية أساتذة القانون الفرنسي نظرية أعمال السيادة وأنكرها البعض وقيدها البعض كما عمل مجلس الدولة الفرنسي على تضييق نطاقها والحد منها بقدر المستطاع.

أما المشروع العربي فوجد في هذه النظرية مآربه، في زمن استبداد السلطة ليبعد القضاء عن بعض تصرفات الحكومة فنقل هذه النظرية الى عالمنا العربي، لذا لايمكن الاحتجاج على أن أعمال السيادة نظرية قد تبنتها الدول المختلفة وأكدت عليها في قوانينها، فنبرر بالتالي أخذ المشرع القطري بها.

بقي أن نقول إن أساتذة القانون قد أجمعوا على أن تحصين مثل هذه الأعمال من رقابة القضاء يعتبر انتهاكاً صارخاً لمبدأ سيادة القانون من ناحية وانتقاصاً لحق التقاضي من ناحية أخرى، وهما مبدآن دستوريان مهمان جداً لقيام دولة القانون.. لذا فالنص في قانون السلطة القضائىة على حصانة هذه الأعمال، علاوة على ما فيه من عدم ثقة في القضاء بنزع هذه المسائل من ولايته، فإن هذا النص يوصم بعدم الدستورية لمخالفته للعديد من نصوص الدستور القطري كالمادة (129) منه على أن «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة...» والمادة (57) من الدستور على أن «احترام الدستور والامتثال للقوانين الصادرة عن السلطة العامة.. واجب على جميع من يسكن دولة قطر أو يحل بإقليمها» والمادة (135) على حق التقاضي وكفالته للناس كافة.

هذا والله من وراء القصد.

مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل

مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل
2006-11-28


تنص دساتير الدول المختلفة على مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل، ومنها الدستور القطري الذي أكد في المادة 134 منه على أن «القضاة غير قابلين للعزل إلا في الحالات التي يحددها القانون» وتعود الحكمة في تقرير هذا المبدأ إلى عدم جعل سلطة اتخاذ القرار في عزل القضاة لجهة أخرى قد تستخدمه كوسيلة للتهديد أو التأثير في سير العدالة ونزاهة الأحكام القضائية. فهذا المبدأ ضمانة حقيقية لاستقلال القضاء ونزاهته، وتكريس لمبدأ الفصل بين السلطات وعدم تدخل أي جهة سواء الحكومة أو البرلمان في سير العدالة، فالقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ويأخذ حكم عدم قابلية القضاة للعزل كذلك، عدم جواز إحالتهم إلى التقاعد، أو وقفهم عن العمل أو نقلهم إلى وظيفة أخرى.

ومبدأ عدم قابلية القضاة للعزل لا يعني بأي وجه من الوجوه أن القاضي مهما أخطأ أو أساء فسوف يكتب له الاستمرار في عمله دون مساءلة، ولكن يعني تأمين القاضي ضد أي خطر قد يؤثر عليه أو أي ضغوط يتعرض لها عند أدائه للمهمة السامية التي تقلدها في تحقيق الحق، لذلك نجد المادة 134 من الدستور القطري التي سبق أن ذكرناها أعلاه تدخل إلى مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل استثناء بأن هذا العزل ممكن في الحالات التي يحددها القانون.

وقد جاءت المادة 63 من قانون السلطة القضائية رقم 10 لسنة 2004 لتحدد هذه الحالات تحت مفهوم أسباب انتهاء ولاية القاضي، وبأنها تكون اما بالوفاة أو الاستقالة أو بلوغ سن التقاعد أو الاحالة إلى التقاعد أو النقل إلى وظائف غير قضائية وفقاً لأحكام قانون السلطة القضائية، أو العزل بحكم تأديبي طبقا لأحكام قانون السلطة القضائية، وأخيراً الفصل من الخدمة بقرار أميري لأسباب تتعلق بالصالح العام.

وقد يقتضي الأمر توضيح بعض أسباب انتهاء ولاية القاضي المذكورة أعلاه للتأكيد على أنها في مجملها محاطة بضمانات تهدف إلى عدم استغلال هذه الوسائل في اقصاء القاضي عند أداء مهمته، ولاشك بأن الوفاة والاستقالة وبلوغ سن التقاعد التي حددها القانون بسبعين سنة أسباب لا تحتاج إلى البحث عن حكمة المشرع في تقريرها، أما بشأن الاحالة إلى التقاعد فإن القانون اجازها في حالات محددة وهي: أما بطلب القاضي نفسه احالته إلى التقاعد بعد بلوغه سن الستين، أو إذا ثبت بقرار من الجهة الطبية المختصة عجز القاضي لأسباب صحية عن أداء مهام وظيفته، وإما أخيراً عند حصول القاضي على تقدير أقل من متوسط لمرتين متتاليتين، وهذا التقدير هو أدنى تقدير يمكن للقاضي أن يحصل عليه.

أما بشأن إنهاء ولاية القاضي بسبب نقله إلى وظيفة غير قضائية فهو مقصور على حصوله على تقدير أقل من متوسط لمرتين متتاليتين، وأما بشأن عزل القاضي بحكم تأديبي فهو محاط بضمانات عديدة جاءت في قانون السلطة القضائية تحت عنوان مساءلة القضاة بحيث حددت الحالات التي يمكن بموجبها مساءلة القاضي، كما حددت الإجراءات المتخذة في التحقيق وفي التأديب والعقوبات التي يمكن توقيعها عليه.

أما السبب الأخير في انهاء ولاية القاضي فيعود إلى الفصل من الخدمة بقرار أميري لأسباب تتعلق بالصالح العام، ولم يأت القانون ليبين الحالات التي تتعلق بالصالح العام على وجه الدقة، والتحديد مما ترك الأمر فضفاضاً لتفسيرات السلطة التنفيذية، كما لم يجعل القانون اتخاذ هذا القرار بناء على اقتراح المجلس الأعلى للقضاء عند توافر شروط معينة، وبناء عليه فإن هذا السبب يتعارض مع كل من المواد 130 و131 و134 من الدستور والتي تقرر استقلال السلطة القضائية وتحظر على أية جهة التدخل في أعمالها، لذا وترسيخاً للمادة 67 من الدستور التي تقضي بأن احترام الدستور واجب على جميع من يسكن دولة قطر حكاماً ومحكومين، مواطنين ومقيمين، نرجو تعديل هذه المادة بإلغاء هذا السبب.

إلى متى يبقى حق التقاضي منقوصاً؟

إلى متى يبقى حق التقاضي منقوصاً؟
2006-11-21


نصت المادة «135» من الدستور القطري على أن «التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة» وحق للتقاضي يعني وجود جهة قضائية محايدة تختص في الفصل في المنازعات على اختلاف أنواعها المدنية والتجارية والجنائية والأسرية والإدارية وغيرها، ووجود جهة قضائية محايدة للنظر في هذه المنازعات التي تنشأ بين الأفراد بعضهم ببعض أو بين الأفراد والأجهزة الحكومية ومؤسسات الدولة المختلفة ضمانة حقيقية لكفالة مبدأ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحرياته من قبل الجميع.

فالمادة «57» من الدستور تنص على أن «احترام الدستور والامتثال للقوانين الصادرة عن السلطة العامة والالتزام بالنظام العام والآداب العامة ومراعاة التقاليد الوطنية والأعراف المستقر واجب على جميع من يسكن على دولة قطر».

ونحن إذ أردنا أن نصف المنازعات بالنظر إلى أطرافها التي تنشأ في أي مجتمع من المجتمعات يمكننا تقسيمها إلى منازعات تنشأ بين الأفراد بعضهم ببعض، ومنازعات تكون أطرافها الأفراد وأجهزة الدولة المختلفة، بل ان المنازعات التي تكون الأجهزة الحكومية ومؤسسات الدولة طرفا فيها قد تفوق في عددها واحتمالية وقوعها على تلك التي تنشأ بين الأفراد بعضهم ببعض، فمن منا لا يرتبط بالدولة وأنشطتها المختلفة واختصاصاتها المتعددة برابطة قد ينشأ عنها نزاع، فالطالب عندما ترفض معادلة شهادته، وصاحب الترخيص عندما يغلق متجره، والموظف عندما يفصل أو يظلم في وظيفته، والمتنافس في مناقصة عندما لاتتبع الإجراءات القانونية لاختيار العطاء، كل هؤلاء لابد أن يجدوا جهة قضائية محايدة تنظر في ادعائهم فإن كان لهم الحق أخذوه وان لم يكن شعروا بالرضا بأنهم لم يظلموا أو لم تضيّع حقوقهم.

لهذا كله جاء الدستور القطري ليؤكد على جهة المختصة في الفصل في المنازعات الإدارية، وامتثالا للدستور جاءت المادة «10» والمادة «11» من قانون السلطة القضائية لتبين الدوائر التي تتألف منها كل من المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف، فمن هذه الدوائر تلك التي تختص بقضايا الحدود والقصاص والمواد الجنائية والمواد المدنية والتجارية وقضايا الأحوال الشخصية والتركات، كما نصتا على دائرة خاصة بالنظر في المنازعات الإدارية.

إن هذه النصوص الدستورية والقانونية تبعث الأمل والتفاؤل بأننا سوف نخرج أخيرا وبعد خمس وأربعين سنة من وجود القضاء النظامي لدينا، من مرحلة الإدارة القاضية وهي مرحلة كانت موجودة في فرنسا قبل مائتي سنة حين كانت الإدارة هي التي تفصل في المنازعات التي تكون طرفا فيها عن طريق التظلمات التي ترفع إليها فكانت هي الخصم وهي الحكم.

إن الدائرة الخاصة بالنظر في المنازعات الإدارية لم تنشأ بعد، ويحتاج إنشاؤها الى قرار جريء من المجلس الأعلى للقضاء، ذلك ان قانون السلطة القضائية نص على أن «يصدر بإنشاء هذه الدوائر وتحديد اختصاصاتها قرار من المجلس» فمتى يرى هذا القرار النور؟ ومتى يفعّل حق التقاضي؟ ومتى يدعم مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات.

halsayed@qu.edu.qa

مبدأ سيادة القانون

مبدأ سيادة القانون
2006-11-14


يقصد بمبدأ سيادة القانون احترام القواعد القانونية من كافة سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، واحترام الأفراد التي تتكون منهم الدولة سواء كانوا حكاما أو محكومين لقواعد عامة موضوعة مسبقا. واحترام القانون هنا يأتي بمعناه الواسع ليعني كل قاعدة قانونية وفقا لتدرجها في النظام القانوني للدولة، فنشمل بذلك الدستور والقانون الذي يصدر عن السلطة التشريعية واللائحة التي تصدر عن السلطة التنفيذية.

وتفعيلا لمبدأ سيادة القانون تأتي أغلب الدساتير لتحتم على من يتقلد السلطات العامة أن يحترم القانون بهذا المعنى الواسع، ففي دستور قطر أمثلة عديدة على ذلك، فسمو الأمير يقسم بالله العظيم بأن يحترم الدستور والقوانين (المادة 74) وولي العهد يقسم بذلك (المادة 10) ورئيس مجلس الوزراء والوزراء يقسمون باحترامهم الدستور والقوانين السارية في البلد (المادة 119)، وعضو مجلس الشورى (المادة 92)، والقاضي يقسم باحترام القوانين (المادة 40 من قانون السلطة القضائية رقم 10 لسنة 2003) والمحامي يقسم بذلك (المادة 18 من قانون المحاماة رقم 23 لسنة 2006).

واحترام الدستور والقوانين ليس مقصورا على هؤلاء من أصحاب المناصب بل هو واجب على كل مواطن ومقيم على هذه الأرض، فالمادة (57) من الدستور تنص على أن (احترام الدستور والامتثال للقوانين الصادرة عن السلطة العامة والالتزام بالنظام العام والآداب العامة ومراعاة التقاليد الوطنية والأعراف المستقرة واجب على جميع من سكن دولة قطر أو يحل بإقليمها).

ويقسم أساتذة القانون الدستوري الدول وفقا لاحترامها مبدأ سيادة القانون من عدمه إلى دولة قانونية ودولة بوليسية! فالدولة القانونية هي التي تخضع تصرفات كل من الحكام والمحكومين فيها على السواء لحكم القانون، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز لأية سلطة أن تزاول أي نشاط إلا بمقتضى قواعد سبق وضعها وفقا للأوضاع والشروط المقررة. أما الدولة البوليسية فهي التي تأبى الخضوع للقانون، وترقض الانصياع لأحكامه فهي فوق القانون والحكومة حين تمارس السلطة العامة تكون غير مقيدة باتباعه. وتختلط إرادة الحاكم بالقانون فهو الذي يضعه ويعدله ويلغيه وإن أراد أهدره وفي هذا النوع من الحكومات تضيع الحقوق وتنتهك الحريات.

ويرى البعض أن تعريف مبدأ سيادة القانون بالشكل السابق وهو قصره على عنصر شكلي (التزام جميع أفراد المجتمع وسلطات الدولة على السواء باحترام القانون كأساس لمشروعية أعمالهم) يؤدي إلى نتيجة غير منطقية وغير سليمة فماذا إذا كان القانون يكرس العنصرية والتفرقة بين أفراد المجتمع ويكفل الاستبداد!، فهل يعقل أن يطالب أحد بسيادة قانون غير عادل وغير إنساني؟. لذا يذهب جانب من الفقه إلى عدم قصر تعريف مبدأ سيادة القانون على العنصر الشكلي بل إضافة عنصر موضوعي إليه ينظر في مضمون القانون الذي يجب أن يسود بحيث يكفل هذا القانون احترام الإنسان ويضمن حقوقه ويحقق العدالة. فالقانون لا يعلو ولا يسمو ولا يسود إلا لكفالته للحقوق والحريات العامة، فالسيادة المتمثلة في احترام القانون ونصوصه ما هي إلا نتيجة لمضمون هذا القانون. ولقد أكد إعلان نيودلهي الصادر عن المؤتمر الدولي لرجال القانون المنعقد في الهند سنة 1959 مضمون سيادة القانون بأن دولة القانون هي دولة (تؤكد المساواة بين المواطنين في التزامهم بقانون ينظم العلاقات الاجتماعية ويحمي القيم والمبادئ الأساسية...).

بقي أن نقول إن الديمقراطية تتطلب تمتع الأفراد بجميع الحقوق والحريات سواء كانت مدنية أو سياسية أو اقتصادية وهذا التمتع يحتاج إلى قانون يحمي ويضمن هذه الحقوق والحريات، ولا تقتصر فقط على ضمان حق الأفراد في المشاركة في الحكم، وبالتالي يمكن أن نقول إن الديمقراطية ليست فقط سيادة الأغلبية بل هي سيادة القانون الذي يتضمن الحقوق والحريات العامة.

وتتعدد طرق تفعيل مبدأ سيادة القانون، فهذا المبدأ كغيره يبقى عديم الفائدة إذا لم توجد وسائل تكفل تحقيقه وعادة ما تكون هذه الوسيلة عن طريق رقابة السلطة القضائية. وتعود الحكمة إلى جعل هذه الرقابة للسلطة القضائية دون غيرها إلى أن سن القوانين عمل مشترك بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فالتشريعية قد تقترح وتناقش وتقر مشروع القانون والتنفيذية قد تقترح وتصدق وتصدر القانون، لذا من المنطق أن تسند الرقابة إلى سلطة محايدة لم تشترك في وضع هذا القانون الذي وصم بعدم الدستورية. وفي الدستور القطري تنص المادة (140) منه على أن (يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحياتها وكيفية الطعن والإجراءات التي تتبع أمامها، كما يبين القانون آثار الحكم بعدم الدستورية).

halsayed@qu.edu.qa

الخميس، 27 يناير 2011

مكاتب المحاماة: من "الدكاكين" إلى شركات وطنية عملاقة

مكاتب المحاماة: من "الدكاكين" إلى شركات وطنية عملاقة
2010-12-14


السمة الغالبة على مهنة المحاماة في دولة قطر هي أن يزاولها القطري الذي تتوافر فيه الشروط وفقاً للقانون رقم (23) لسنة 2006 بشكل منفرد عن طريق فتح مكتب خاص به! وإذا بحثنا عن شركات وطنية للمحاماة نجدها جداً محدودة قد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة وهي شركات في الغالب ثنائية الأطراف بين محاميين اثنين فقط.
إن هذا الوضع لمكاتب المحاماة الوطنية قد لا يتسق وما تشهده دولة قطر، ومنذ عهد سمو الأمير، من نمو مستمر، واسع وملحوظ في الاقتصاد والمال والتجارة والإنشاءات، وما تبرمه من استثمارات وتعاقدات وما تبنيه من نهضة شاملة أتت على جميع مجالات الحياة والعمل. هذه البيئة المعقدة والمركبة في جوانبها القانونية لا شك بأنها في حاجة ماسة إلى مكاتب محاماة ذات معايير عالية جداً وجودة فائقة جداً، سوف تجعل مكاتب المحاماة القطرية ذات الطابع الفردي تقف عاجزة عن مواكبة الركب وسوف يقصر نشاطها على دعاوى الأحوال الشخصية والإيجارات والعمالية، وبعض المنازعات الإدارية والمدنية والتجارية البسيطة والمتواضعة. وهذا حقيقةً ما دفع الدولة في الماضي القريب إلى أن ترخص لبعض مكاتب المحاماة الدولية بممارسة المهنة لاسيَّما في جوانبها المتعلقة بالاستشارات والعقود.
إذن من أجل الوصول إلى الجودة العالمية في العمل القانوني المهني وسد احتياجات الدولة خلال حركتها التنموية المتصاعدة والمتسارعة، لا بد للمحامين القطريين أن يفكروا جدياً في الاندماج وتأسيس شركات محاماة تضم في تقديري عشرة أو حتى أكثر من المحامين القطريين المرخص لهم. هذا العدد المقترح مني لا شك بأنه يعد متواضعاً جداً إذا ما قيس بعدد الشركاء في بعض مكاتب المحاماة في أمريكا وأوروبا الذي يزيد عددهم فيها على 500 شريك.
أن العمل في إطار شركة محاماة سوف يخلق التنوع والتخصص والاستمرارية في آن واحد، ذلك أن كل محام في إطار الشركة يمكنه أن يتخصص في مجال محدد من مجالات العمل القانوني، وبتعدد المحامين في إطار الشركة الواحدة سوف تقدم هذه الأخيرة لعملائها خدمات قانونية متعددة ومتنوعة وشاملة. كما أن العمل في إطار شركة سوف يضمن الاستمرارية، فلا يموت المكتب بموت صاحبه.
كما أن العمل في إطار شركة محاماة سوف يجنب المحامين ما يفرضه عليهم واقع الحال من تعدد الدوائر والمحاكم وتناثر مبانيها في أماكن مختلفة وتقارب مواعيد الجلسات، مما يدفعهم إلى اللجوء إلى إنابة زملاء آخرين للحضور عنهم في تلك الدوائر أو المحاكم. ففي إطار شركة المحاماة، سوف ينظم الشركاء هذا الأمر بينهم وسوف يكلف كل واحد منهم بالحضور في دائرة معينة، دون أن تشطب قضاياهم.
كما أن وجود شركات محاماة سوف يخلق فرص عمل جديدة لخريجي كليات القانون، ويساهم في خلق بيئة غنية من الخبرات والمهارات يحتاجها المحامي الجديد، أو من رُخص له حديثاً بالمزاولة فيستفيد، عند انضمامه للشركة كموظف، من خبرات زملائه ويتدرج بمعيتهم شيئاً فشيئاً، فيسمو ويعلو إلى أن يصبح اسماً لامعاً يحتم على الشركاء إدخاله كشريك في نهاية المطاف.
أن العمل في إطار شركة محاماة سوف يحمي المهنة ذاتها من سلوكيات بعض المحامين أنفسهم أو من يبتعد منهم عن أخلاقيات المهنة أو يجلب بتصرفه ما يسيء لها. ذلك أن المحافظة على سمعة الشركة واسمها في عالم المهنة سوف يجبر الشركاء أن يأخذوا على يد زميلهم بقوة، فيرد هذا الأخير ويصد، قبل أن تغرق سفينتهم فيهلكوا جميعاً، وهو أمر لا يتحقق لو عمل المحامي بمفرده خلال مكتب خاص به.
أن ابتعاد المحامين القطريين حالياً عن تأسيس شركات محاماة يعود في نظري إلى عوامل ثلاثة، ثقافية ونفسية وتشريعية. وأقصد بالعامل الثقافي انتشار ثقافة العمل الفردي وعدم وجود تجارب محلية لشركات وطنية يمكن أن يحتذى بها، وجهل المحامين بقواعد وأنظمة إدارة شركات المحاماة. أما العامل النفسي فيتمثل في تخوف المحامي من الدخول في هذه التجربة، وقد يكون ذلك رغبةً منه في تجنب ما ينجم عنها من مشاكل لاسيَّما في الجوانب الإدارية والمالية مما يؤثر على علاقته بشركائه الذين تربطه بهم في الغالب علاقة صداقة. أما العامل التشريعي، فإنه يعود إلى أن التشريعات القطرية حالياً تجيز للمحامي القطري أن يستقدم من يشاء من القانونيين والمستشارين الأجانب للعمل لديه، فأي محام قطري بمجرد حصوله على رخصة مزاولة المهنة يمكنه أن يفتتح مكتباً خاصاً به ويضم من يشاء للعمل لديه من القانونيين الأجانب، دون حاجة إلى الانضمام أو الدخول في شراكة مع محامين قطريين آخرين. لذا ولتهيئة الفرصة نحو خلق شركات محاماة وطنية عملاقة لا بد أن تعالج العوامل السابقة من خلال إجراء التعديلات التشريعية المناسبة، ونشر الوعي والثقافة وتشجيع مكاتب المحاماة الحالية على الاندماج.
هذا والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa