الاثنين، 18 فبراير، 2013

تحديد الحد الأعلى لسن الملك

الشرق القطرية

19 فبراير 2013


تذهب العديد من الدساتير إلى اشتراط سن محددة يجب أن يبلغها المرشح لرئاسة الدولة أو للحكم، فعلى سبيل المثال، تشترط دساتير كل من النمسا والبرازيل والهند وأمريكا ألا تقل سن المرشح عن 35 سنة، ويشترط دستور ألمانيا وتركيا ومصر بعد الثورة ألا تقل سنه عن 40 سنة ميلادية.
إلا أننا لا نكاد نجد مثالاً على دستور يشترط الحد الأعلى لسن المرشح، بحيث يستبعد من تجاوزه عن دائرة المنافسة أو الترشيح لمنصب الرئاسة. ويعود سبب ذلك وفقاً لوجهة نظري إلى أمرين، أولهما أن هذه الدول إما أن تكون ذات أنظمة جمهورية حقيقية، أو ذات أنظمة ملكية دستورية. ففي الدول الجمهورية الحقيقية يعود عدم اشترط الحد الأعلى لسن الحاكم إلى تقيد فترة الرئاسة، فهي إما أن تكون لفترة واحدة فقط كتركيا على سبيل المثال، إذ ينتخب الرئيس لمدة سبع سنوات، أو تكون لفترة محددة يمكن أن يعاد انتخاب الرئيس فيها لمدة أخرى واحدة كحد أقصى كالولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لا يمكن للشخص في هذه الجمهوريات أن يحكم مدى الحياة. وهنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار كذلك أن عملية الترشيح للرئاسة يسبقها التوافق أو التنافس مبدئياً في دائرة الحزب قبل أن يتقدم أي منهم بمرشحه للرئاسة مما يجعل الرهان يقتصر على الجياد القوية والتي يتوقع فوزها، لذا نادراً ما يتقدم للمنافسة شخص يتجاوز السبعين من عمره. ففي أمريكا على سبيل المثال ومنذ نشأتها عام 1789 أي على مدار أكثر من مائتين وعشرين سنة وضمن قائمة بلغت 44 رئيساً لا نجد إلا رونالد ريجان من كان عمره يقترب من السبعين، وأغلب الرؤساء كانوا في الخمسينيات من أعمارهم عند ترشحهم للرئاسة، وتركوا البيت الأبيض قبل أن يصلوا إلى الخامسة والستين.
 أما في الدول الملكية الدستورية، فالملك لا يتولى سلطات حقيقية وجوهرية تؤثر في شؤون الدولة والحكم، فهو مجرد رمز يسود ولا يحكم ويتولى في الغالب وظائف شرفية واحتفالية. لذا فموضوع تحديد حد أعلى لسن الملك في الأنظمة الملكية الدستورية ليس ذا أهمية كبيرة، فلا نستغرب إذن أن تستمر إليزابيث الثانية ملكة على بريطانيا رغم بلوغها السابعة والثمانين من العمر.
  لكن لا شك أن الوضع في دول مجلس التعاون الخليجي مختلف تماماً عن الملكيات الدستورية، فالملك أو السلطان أو الأمير يتولى سلطات حقيقية ويمارس صلاحيات جوهرية وينفرد في اتخاذ قرارات دستورية مهمة وذات تأثير كبير في شؤون البلاد والعباد، لذا لا بد من إعادة النظر في ترك فضاء السن مفتوحاً.
ولا نتحدث هنا عن توقيت فترة حكم الملك بمدد قصيرة كأربع أو خمس أو سبع سنوات كالأنظمة الجمهورية، إنما المقصد ينصرف إلى وضع حد أعلى لسن المرشح لولاية العهد وحد أعلى لسن الحاكم.
إن استعراضاً سريعاً للوضع في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال يكشف لنا سلسلة من أولياء العهود الذين تجاوزا السبعين من العمر عند تعينهم، فالأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله عين ولياً للعهد وكان له من العمر 74 سنة فتوفي قبل أن يؤول إليه الحكم، وعين على أثره الأمير نايف ولياً للعهد في عام 2011 وكان له من العمر 77 سنة، فتوفي بعد عام من تعينه، وأخيراً عين الأمير سلمان بن عبدالعزيز ولياً للعهد وله ممن العمر 77 سنة. بل أن الملك عبدالله ذاته نصب ملكاً وله من العمر 81 سنة. والأمر لا يختلف كثيراً في دولة الكويت إذ نودي بالشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد وله من العمر 77 عاماً وهو اليوم في الثالثة والثمانين من العمر، وسبقه الشيخ سعد العبدالله رحمه الله الذي بقى ولياً للعهد حتى عام 2006 وكان له من العمر ست وسبعين سنة، وبعد أن نودي به أميراً نقلت سلطاته بسبب أحواله الصحية. كما أن ولي العهد الحالي الشيخ نواف الأحمد تجاوز الخمسة والسبعين من عمره.
إن الدراسات العلمية تثبت أن الشخص كلما تقدم في السن قل نشاطه وضعفت مناعته وكان عرضة لأمراض القلب وللجلطات والنزلات الشعبية وانخفاض نسبة الأوكسجين في الدم، وربما أصيب بالاكتئاب والزهايمر ومرض باركنسون وغيرها.
كما أن الشخص في مرحلة الشيخوخة يكثر اعتماده على الآخرين، وكل ذلك بلا شك يؤثر تأثيراً بليغاً على ممارسة اختصاصاته ، والتي كما أسلفنا بشأن الحاكم في دول مجلس التعاون هي سلطات حقيقية وجوهرية وليست شرفية. وهذا ما لاحظناه في تاريخ المنطقة من غياب الكثير من الحكام عن البلاد في رحلات علاجية استغرقت فترات طويلة.
لذا نقترح أن يدرج في دساتير دول مجلس التعاون الخليجي نص يحدد الحد الأعلى لسن ولي العهد وحد أعلى لمباشرة الحاكم لاختصاصاته، كأن يكون هذا النص على سبيل المثال كما يلي:
"لا تتجاوز سن ولي العهد عند تعيينه ستين عاماً ميلادية، وإذا بلغ ولي العهد سن الخامسة والسبعين دون أن يؤول الحكم إليه يفقد منصبه وتبدأ مباشرة إجراءات تعيين ولي عهد جديد للبلاد وفقاً لأحكام هذا الدستور.
يعلن خلو منصب الملك عند وفاته أو إصابته بعجز كلي يمنعه من ممارسة مهامه أو عند بلوغه سن الخامسة والسبعين من عمره، وينادى بولي العهد ملكاً للبلاد وفقاً للأحكام والإجراءات الواردة في هذا الدستور".

هذا والله من وراء القصد.


ملاحظة الفقرات التي باللون الأحمر طالها مقص الرقيب، إذ قامت جريدة الشرق بحذفها!! بالرغم  من كونها مجرد امثلة واقعية، ولا تمس ذات الأمراء، ولا تقلل من مكانتهم!!!

الأربعاء، 13 فبراير، 2013

دستور قطر لعام 1953

دستور قطر لعام 1953
جريدة الشرق
الثلاثاء 12 فبراير 2013

عند البحث في التشريعات القطرية الصادرة في عقد الخمسينيات من القرن الماضي نصادف عبارة "دستور قطر لعام 1953" وهو الذي صدرت بموجبه لائحة ضريبة دخل قطر لعام 1954، ورغم نشر هذه اللائحة في جريدة الخليج قبل إنشاء الجريدة الرسمية لدولة قطر عام 1961وأعيد نشرها في مجموعة تشريعات قطر،إلا أن دستور قطر لعام 1953 لم ينشر في مجموعة التشريعات القطرية. وبالعودة إلى الوثائق البريطانية المتعلقة بقطر لعام 1953 لم أتوصل إلا إلى وثيقة الموازنة التقديرية لقطر. ولولا أن لائحة ضريبة دخل قطر لعام 1954 أشارت إلى المادة (82) من دستور قطر لعام 1953 لرجحت أن المقصود بهذا الدستور هو تلك الوثيقة الخاصة بالموازنة، إلا أن وثيقة الموازنة هذه ليس بها مواداً، ولا تصل بنود أي باب من أبوابها إلى 82 بنداً، لذا يبقى مصطلح "دستور قطر لعام 1953" مجهولاً بالنسبة لي.
ومن جانب آخر، كانت هناك محاولة لوضع دستور لقطر في عام 1958 وضع مسودته البريطاني هانكوكHancock، ووجدتها مرفقة في رسالة بروس Burrows بتاريخ 23 يوليو 1958، وتقترح مسودة الدستور هذه تأليف مجلس يترأسه الحاكم أو من يمثله، ويكون في عضويته وزراء المعارف والصحة والأشغال العامة والداخلية، ويضم المجلس أيضاً أمينا عاما، ومقررا، ثم وضحت مسودة هذا الدستور أدوار كل من الأمين العام والمقرر والوزراء. ويتضح من هذه الوثيقة أن مقترحها يهدف إلى ضبط الإنفاق العام في الدولة. ويبدو أن هذا المقترح لم يؤخذ به.
وفي 1962 تم إصدار قانون رقم (1) لسنة 1962 بتنظيم الإدارة العليا للأداة الحكومية، والذي اشتمل على قواعد تنظم المجال السياسي والإداري للدولة، وكثيراً ما كان المشرع يستند على هذا القانون في ديباجة القوانين التي صدرت لاحقاً. كما يلاحظ أن بعض مواد هذا القانون هي الأساس التاريخي لعدد من مواد النظام الأساسي المؤقت للحكم (دستور 1970) الذي صدر فيما بعد، لذا يمكن اعتباره وثيقة دستورية مبدئية لقطر في عقد الستينيات.
أما أول وثيقة دستورية شاملة تضم موادا تتعلق بنظام الحكم والسلطات العامة والحقوق والحريات العامة والمبادئ الأساسية للدولة فقد صدرت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي قبل استقلال قطر وأخذت مسمى النظام الأساسي المؤقت، وضع هذا الدستور ليتناسب مع ما كانت تهدف الدولة إليه من الانضمام إلى اتحاد الإمارات العربية، حيث تولدت فكرة الاتحاد بين إمارات الخليج المحمية من قبل بريطانيا بعد إعلان هذه الأخيرة على لسان وزير خارجيتها (هارود ويلسون) في يناير من عام 1968 عزمها على إنهاء وجودها في شرقي قناة السويس.
ومع استقلال دولة قطر في 3/9/1971 وعدولها عن الانضمام إلى الاتحاد، كانت هناك ضرورة ملحة لتعديل النظام الأساسي المؤقت ليتناسب مع الأوضاع الجديدة فصدر في 19/4/1972 النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972). والذي لا تزال مواده الخاصة بمجلس الشورى المعين تنبض بالحياة، رغم إلغاء النظام الأساسي بصدور الدستور الدائم لدولة قطر.
وعودة لدستور قطر لعام 1953، نتمنى من القراء أو الباحثين ممن لديه أي نسخة منه أو أي معلومات عنه أن يفيدنا.

الاثنين، 4 فبراير، 2013

أهل الحل والعقد في البلاد..

أهل الحل والعقد في البلاد..

الشرق 5 فبراير 2013


نصت المادة (9) من الدستور الدائم للدولة على أن "يعين الأمير ولي العهد بأمر أميري، وذلك بعد التشاور مع العائلة الحاكمة وأهل الحل والعقد في البلاد..". وقد أثار أحدهم في شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر" سؤالاً حول "أهل الحل والعقد في البلاد"، فأحالت لي إحدى طالباتي هذا السؤال.
       وللإجابة عنه لا بد لنا من الرجوع أولاً إلى الأصل التاريخي للمادة (9) المذكورة وأصلها هو المادة (21) من النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972) والتي كانت تنص قبل تعديل 1995 على أن "حكم الدولة وراثي في أسرة آل ثاني، ويعين ولي العهد خلال سنة على الأكثر من تاريخ صدور هذا النظام الأساسي المؤقت، ويكون تعيينه بأمر أميري بعد التشاور مع أهل الحل والعقد في البلاد وموافقة أغلبيتهم على التعيين".
       وبمقارنة المادتين السابقتين نجد ثلاث ملاحظات هامة: أولها أن من صاغ النظام الأساسي المؤقت المعدل؛ وأحسبه المرحوم حسن كامل؛ كان على فهم وإدراك للمقصود بأهل الحل والعقد وفقاً لما رآه أهل العلم ممن صنف وألف في السياسة الشرعية والإمامة، فلم يجعل دور أهل الحل والعقد استشارياً بحتاً، بل اشترط كما ورد في المادة (21) السابقة "موافقة أغلبيتهم على التعيين". وهذا ما لم يؤخذ به في الدستور الحالي.
وثانيها، أن من صاغ المادة (21) من النظام الأساسي المؤقت المعدل لم تغب عن ذهنه حادثة "مبايعة أولي الحل والعقد في قطر الصادرة بتاريخ 24 من أكتوبر 1960"، والتي أنهت خلافاً حول ولاية العهد أثير في السنوات الأخيرة من خمسينيات القرن الماضي، لذا عند صياغته لهذه المادة كانت أمام عينه تجربة حية. وهي قد تتفق مع ما ذهب إليه بعض أهل العلم من إدخال الأمراء والعلماء والوجهاء في مفهوم أهل الحل والعقد لكونهم من ذوي الشوكة (أي لمنزلتهم ومكانتهم واستقلالهم عن الخضوع للخليفة - نفاقاً أو خوفاً -، فهم أهل تأثير على من خلفهم من الأفراد، وفي موافقتهم على من عهد إليه الخليفة استقرار للمجتمع ورضا من قبل عامة المسلمين).
ثالثها، أن انتقال الحكم كأصلٍ عام من الأمير إلى الابن الذي يسميه ولياً للعهد أمر قد استقر، لذا أكد عليه الدستور الحالي في المادة (8) منه، وهو أمر لم يكن كل من النظام الأساسي المؤقت المعدل (1972) عند وضعه والنظام الأساسي المؤقت (1970) ينصان عليه. فكانت لموافقة أغلبية أهل الحل والعقد وفقاً لتجربة 1960 أهمية في تلك الأثناء.
ومما سبق نجد أن من صاغوا مسودة دستورنا الحالي لم يوفقوا في نقل عبارة "أهل الحل والعقد" التي كانت المادة (21) من النظام المؤقت المعدل تنص عليها، لم يوفقوا في زجها في المادة (9) من دستورنا الحالي، لاختلاف الظروف بين الأمس واليوم ولكونهم أفقدوا هذه العبارة جوهرها ومعناها.
 والله من وراء القصد