الاثنين، 7 مارس، 2011

المسودة: الإطار المالي


المسودة: الإطار المالي
2011-03-08

تنص المادة (55) من الدستور الدائم لدولة قطر على أن "للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجبة على الجميع، وفقاً للقانون". وبالاطلاع على مواد الدستور ذات العلاقة ومقارنتها بغيرها من الدساتير، نجد أن بعض هذه المواد بحاجة إلى إعادة نظر، وأن هناك بعض الثغرات يمكن أن تسد حتى تتحقق الحماية للمال العام. ويمكن رسم إطار عام يشتمل على عشرة عناصر تحقق المراد، ولكن قد تحتاج إلى مراجعة، لذلك أطلقت عليها (المسودة)، أخذاً بعين الاعتبار بأن الدستور القطري لا يمكن اقتراح تعديل مواده إلا بعد مضي عشر سنوات من تاريخ العمل به. وتتمثل هذه العناصر فيما يلي:
أولاً: عدم اقتصار دور مجلس الشورى على إقرار الموازنة العامة كما جاء في المادة (107) من الدستور الدائم، بل يمتد اختصاصه ليشمل كذلك إقرار الموازنات المستقلة والملحقة، والتي يجب أن تنظم ابتداء بقانون. كما يجب التأكيد على أن أية مصروفات غير واردة في الموازنة العامة أو زائدة على التقديرات الواردة فيها يجب أن تقر من قبل مجلس الشورى، علاوة على إقرار هذا الأخير لأي نقل من باب إلى آخر من أبواب الموازنة.
ثانياً: يجب أن يضاف إلى اختصاصات مجلس الشورى إقرار الحساب الختامي لإدارة مالية الدولة، يقدم له من قبل الحكومة خلال أربعة أشهر من انتهاء السنة المالية.
ثالثاً: يجب أن تقدم الحكومة إلى مجلس الشورى بياناً عن الحالة المالية للدولة مرة على الأقل في كل دورة انعقاد له.
رابعاً: كل التزام باستثمار مورد من موارد الثروات الطبيعية أو مرفق من المرافق العامة لا يكون إلا بقانون، ولفترة معينة.
خامساً: يجب أن يضاف إلى المعاهدات التي تصدر بقانون ويكون لمجلس الشورى دور في مناقشتها وإقرارها وتنشر في الجريدة الرسمية، علاوة على ما ورد في المادة (68): المعاهدات المتعلقة بأراضي الدولة والثروات الطبيعية، والتجارة والملاحة، والتي تحمّل الدولة نفقات غير واردة في الموازنة العامة.
سادساً: إعادة النظر في اختصاصات ديوان المحاسبة بحيث تكون أكثر شمولية، وإعادة النظر كذلك في تبعيته بحيث يلحق بمجلس الشورى ويقدم له تقارير عن أعماله وملاحظاته.
سابعاً: يجب أن تحدد مخصصات سمو الأمير بقانون، كما يجب أن يفعل نص المادة (124) من الدستور بشأن مخصصات الوزراء، حيث أكدت المادة بأن تحديدها يكون بقانون، ولكن ما يحصل في الواقع العملي الآن هو صدورها بقرار أميري، لا ينشر فعلياً في الجريدة الرسمية.
ثامناً: عدم تقديم أية إعانات مالية أو عينية أو أراض لأية جهة من الجهات أو مؤسسة من المؤسسات داخلياً أو خارجياً إلا بقانون.
تاسعاً: تقنين وتنظيم المنح والهبات والمساعدات التي تقدم للمواطنين بما يحقق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
عاشراً: عدم تقديم أية أراض كمنح أو هبات شخصية إلا وفقاً للقانون.
هذا، والله من وراء القصد.

الثلاثاء، 1 مارس، 2011

البحث عن الحقيقة!

البحث عن الحقيقة!
2011-03-01


مضى أكثر من سنتين ونصف على صدور قانون إنشاء المحكمة الدستورية رقم (12) لسنة 2008، وتعيين رئيس لها، دون أن يبدأ العمل بالقانون أو أن تشكل المحكمة فعلياً، أو تمارس صلاحيتها في النظر في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح. نعرف أن هناك وزراء بلا وزارة أو وزراء دولة، ولكن أن يكون هناك رئيس محكمة بلا محكمة فهذا أمر جديد ومستغرب.!
لا أعرف سبب تأخر تفعيل هذه المحكمة، ولكنه بلا شك ليس ما كشفت عنه وكالة الأنباء القطرية مؤخراً بشأن تأخر الدعوة إلى انتخابات مجلس الشورى، والمتمثل في عدم اكتمال التشريعات، فقانون المحكمة الدستورية العليا موجود وصادر ومكتمل منذ زمن، بل لدينا في تاريخ دولة قطر قانونين صدرا في زمن قريب وغير متباعد لتفعيل الرقابة الدستورية! هما قانون رقم (6) لسنة 2007 بشأن الفصل بالمنازعات الدستورية، والذي ألغي في يوم وليلة، قبل أن تفعل مواده ويحل محله القانون الحالي والذي بقيت مواده كذلك حبيسة الأوراق التي كتبت عليها ولم تر النور. إذن عدم اكتمال التشريعات المتعلقة بالمحكمة الدستورية العليا ليس السبب وراء التأخر في ممارستها لاختصاصاتها. وقبل أن أبين مجتهداً تصوري عن السبب الحقيقي وراء غيبة المحكمة، أتمنى من الله ألا تتعادى هذه الأخيرة من مجلس الشورى المنتخب الذي وعِدنا به منذ النظام الأساس المؤقت في 1970 أي قبل أكثر من أربعين عاماً، فلا نرى المحكمة، مثلما لم نر المجلس المنتخب، رغم تأكيدات المسؤولين بأنه آت، آت لا محالة.!
وعن تصوري بشأن سبب تأخر تفعيل المحكمة الدستورية، أرى بأن الدولة عندما تمارس اختصاصاتها لابد أن يكون ذلك ضمن غطاء قانوني والذي يتمثل علاوة على الدستور في القوانين. وفيما عدا اللوائح التي تنفرد بها السلطة التنفيذية والتي يجب أن تتقيد بأحكام كل من الدستور والقانون دون أن تخرج عنها أو تخالفها، فإن القوانين أدوات ينبغي أن تشترك كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية في وضعها وفقاً للدستور الدائم. فالقانون أداة تشريعية يحق لأعضاء مجلس الشورى اقتراح فكرته، ثم مناقشة مشروعه والتصويت عليه قبل رفعه للأمير للتصديق عليه وإصداره. كما أن الاتفاقيات التي تبرمها الدولة والتي تتعلق بالصلح أو بإقليم الدولة أو بحقوق السيادة، أو بحقوق المواطنين العامة أو الخاصة أو تتضمن تعديلاً لقوانين الدولة، لا بد أن تعرض على مجلس الشورى لكي تصدر بقانون.
ومشاركة مجلس الشورى في وضع القوانين أو اعتماد الاتفاقيات المذكورة نص عليها الدستور الدائم، الذي لن تفعل مواده بشأن مجلس الشورى المنتخب! لذا فإن ما يحدث الآن في عدم الدعوة للمجلس المنتخب يخدم انفراد السلطة التنفيذية في وضع هذه الأدوات التشريعية دون مشاركة حقيقية وفعلية من مجلس الشورى.
ولكن هل يكفي السلطة التنفيذية مجرد تأخير الدعوة للمجلس المنتخب كي تنفرد في وضع هذه الأدوات التشريعية، أو اعتماد تلك الاتفاقيات؟، الإجابة حتماً لا!، فهناك مشكلة أخرى تتمثل أولاً في رقابة المحكمة الدستورية لهذه الأدوات، فنصوص ومواد هذه الأخيرة يجب أن تنسجم وتخضع لأحكام الدستور، وإلا سوف توصم بعدم الدستورية وتبطل عندما ترى المحكمة ذلك. علاوة على أن الاتفاقيات التي تبرمها الدولة والتي إما أن تصدر بقانون أو بمرسوم له قوة القانون لا تخرج عن رقابة المحكمة الدستورية العليا إن خالفت نصاً من الدستور، ولما كانت المحكمة هي من تختص بذلك، فإن تعطيلها سوف يخدم كذلك انفراد السلطة التنفيذية في وضع ما تشاء من أدوات تشريعية أو اعتماد ما تشاء من اتفاقيات دون رقابة من أية سلطة أخرى.
هذا مجرد تصور، ولاشك بأننا نحسن الظن في السلطة التنفيذية، ولكن تكرار التمديد لمجلس الشورى المعين دون ذكر الأسباب الحقيقية المقنعة للمواطنين صراحة في مراسيم التمديد، وغياب الشفافية في ذكر الأسباب الحقيقة من غيبة المحكمة الدستورية العليا، تؤدي إلى هذه النتيجة، وهي باختصار أن الحكومة تريد الانفراد في اتخاذ القرار، ولا ترغب بوجود حقيقي للسلطة التشريعية المتمثلة في المجلس المنتخب، أو في رقابة السلطة القضائية المتمثلة في المحكمة الدستورية العليا، وكأننا "توهقنا" بالدستور بعد أن وضعناه.
والسؤال الذي يمكن أن يطرح أخيراً، هل يمكن أن تبنى دولة المؤسسات، في غيبة مجلس تشريعي منتخب، ومحكمة دستورية؟
هذا، والله من وراء القصد.

تهافت القوانين!

تهافت القوانين!
2011-02-22


المؤسسات الخاصة ذات النفع العام؛ وهي تلك التي يؤسسها شخص أو أكثر من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين لتحقيق النفع العام دون أن يكون هدفها تحقيق الربح المادي، كانت قبل عام 2006 تخضع لقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم (8) لسنة 1998، والذي ألغى وحل محله قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة رقم (12) لسنة 2004. وكانت مالية هذه المؤسسات تخضع للمواد الواردة في الفصل الثاني من هذا القانون، ومن أهمها المادة (40) التي تؤكد على أن "تعتمد المؤسسة الخاصة في ممارسة نشاطها على التمويل الذاتي، ولا يجوز منحها إعانات حكومية.."، كما كانت هذه المؤسسات تخضع في أعمالها لإشراف وزارة الخدمة المدنية ورقابتها، التي كانت تملك عزل المديرين إذا ثبت استعمالهم أموال المؤسسة فيما لا يتفق مع أغراضها، وكان بإمكان الوزارة كذلك الاطلاع على دفاتر المؤسسة وسجلاتها ووثائقها، ومطالبتها بتقديم أية مستندات أو معلومات أو بيانات. بل كان القانون يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة كل من باشر نشاطاً يخالف الغرض الذي أنشئت المؤسسة من أجله، أو أنفق أموالها فيما لا يحقق هذا الغرض أو دخل بأموالها في مضاربات.
وبإمعان النظر في تلك المواد يتضح هدف المشرع في تلك الفترة ورغبته في وضع القواعد والضوابط القانونية لكل من يرغب من الوجهاء أو الأعيان أو غيرهم في رد الجميل لهذا الوطن الغالي من خلال إنشاء مؤسسة خاصة "أي تمول من أموالهم الخاصة"، وهدفها تحقيق نفع عام، أي يعود خيرها على أفراد المجتمع وعلى الوطن. لذا نرى المشرع يذهب إلى حد التأكيد على "عدم منحها إعانات" من أموال الدولة ويؤكد على أن المؤسس مسؤول وحده عن ما يستلزمه نشأتها من نفقات. كما يذهب إلى حد المعاقبة الجنائية لكل من أهدر أموال المؤسسة بانفاقه إياها فيما لا يحقق غرض إنشائها. فعلى الرغم من كون هذه الأموال أموالا خاصة، إلا أن المشرع أدرك أهمية فرض حمايته عليها، لكونها بعد تأسيس المؤسسة أصبحت مخصصة للنفع العام.
ولكن ماذا حصل في عام 2006؟
في هذا العام صدر مرسوم بقانون بشأن المؤسسات الخاصة ذات النفع العام رقم (21) لسنة 2006، والذي أخرج هذا النوع من المؤسسات من نطاق قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة. تاركاً هذا الأخير ليعيق فقط "كل من لا ظهر له" كالجمعيات المهنية أو الاجتماعية أو الثقافية، بقواعده القاسية غير الدستورية، ابتداء من شروط وإجراءات الحصول على الترخيص والتسجيل والشهر، مروراً بالرسوم السنوية الباهضة وانتهاء بقواعد الأشراف والمراقبة والمعاقبة، ليكتب لها الفشل منذ البداية، على الرغم من أن تكوين هذه الجمعيات هو من يفترض أن تُبسط القواعد القانونية ليفعل ممارسته كحق كفله الدستور!.
أما في الجانب الآخر فنجد المؤسسات الخاصة ذات النفع العام قد خرجت من نطاق ذلك القانون وأصبحت تنظم بقواعد جديدة معاكسة تماماً لتلك التي تخضع لها الجمعيات المهنية أو غيرها أو تلك التي كانت هي ذاتها تخضع لها قبل عام 2006! فإنشاؤها أصبح لا يستدعي سوى التسجيل في الجهة المختصة بتوثيق المحررات بوزارة العدل، وخلافاً لما مضى يمكن منحها إعانات مالية ضخمة أو فلكية ومزايا عينية وأراضي شاسعة وواسعة، علاوة على إعفاءات من الضرائب والرسوم، ولها أن تبرم ما تشاء من عقود واتفاقيات وأن تنشئ ما تشاء من فروع، بل أصبح القانون لا يخضعها للمحاسبة أو المراقبة أو يبسط عليها الحماية لمنع كل من تسول له نفسه هدر مالها المخصص للنفع العام أو الإسراف فيه. كما أن بعضها أصبح يفسر غرض نشأتها بالمفهوم الواسع بحيث يشمل كل ما يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بغرض نشأتها، حتى يتبادر إلى الذهن أنها دولة في دولة.
وفي عام 2007 خطى المشرع بهذا القانون منحى أسوأ للأسف الشديد عندما أفرغه من معناه فأجاز أن تنشأ هذه المؤسسات بما يخالف أحكامها المنصوص عليها في القانون، أي عدم الالتزام حتى بتلك القواعد المعيبة التي لا تساهم في حماية المال العام.
والسؤال الذي يثار هو: لمصلحة من يتهافت القانون من مستواه الذي كان يساهم حتى ولو بشكل متواضع في الرقابة وتفعيل مفهوم المؤسساتية إلى التخلص منها والتوجه نحو الانفرادية في اتخاذ القرارات وفي الصرف والتعاقد.
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

سقوط الدساتير

سقوط الدساتير
2011-02-15


قد ينتهي العمل بالدستور في أي بلد من بلاد العالم بطريقة عادية طبيعية، وقد يكون إنهاؤه بطريقة استثنائية. فالأولى تتم عندما ترى الأمة بأن الدستور القائم يقف عائقاً أمام تطورها، وأن التعديل الجزئي لبعض مواده لا يخدم رؤيتها، لذا تضع دستوراً جديداً من خلال تشكيل لجنة أو جمعية منتخبة تعده فيصبح نافذا مباشرة، أو تعد مشروعه ولا يصبح نافذاً إلا بعد عرضه على الشعب في استفتاء، فإن رضا الأغلبية به ينتهي العمل بالدستور السابق.
وقد يكون انتهاء العمل بالدستور بطريقة غير عادية، تتمثل بالانقلاب أو الثورة. ويميز بعض الفقهاء بين الانقلاب والثورة في أن مصدر هذه الأخيرة هو الشعب، في حين يصدر الانقلاب من شخص كقائد الجيش أو أحد أفراد الأسرة الحاكمة مثلاً، أو من فئة معينة تدعم هذا أو ذاك مثلاً. ويميز آخرون بينهما كذلك من خلال النظر إلى أهداف كل منهما، فإن كانت مجرد إحلال حكومة أو شخص محل آخر، أي مجرد الاستئثار بالسلطة، فنكون أمام انقلاب، أما إذا كان الهدف اشمل وأوسع بحيث يقيم نظاماً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مغايراً للنظام السابق فنكون أمام ثورة.
هذا وقد أثار نجاح الثورة الشبابية المباركة في مصر تساؤلاً لدى البعض يتمثل في مدى سقوط الدستور بسقوط النظام السابق. بتعبير آخر، هل نجاح الثورة في بلد ما يؤدي إلى سقوط الدستور مباشرة؟ أم أن الأمر يقتضي إعلاناً صريحاً بإنهاء العمل به من قبل من تقلد زمام الأمر في تلك البلد؟
هذا التساؤل في الحقيقة ليس جديداً بل قد ناقشه بعض أساتذة القانون الدستوري في مؤلفاتهم، حيث ذهب البعض إلى سقوط الدستور فور نجاح الثورة وأنه حتى لو أعلن قادة الثورة بعد ذلك صراحة سقوطه فإن إعلانهم لم يأت ليخلق وضعاً قانونياً جديداً بل جاء ليكشف واقعة سبق أن حدثت. بينما يذهب آخرون وهذا ما نفضله إلى أن نجاح الثورة لا يؤدي مباشرة إلى سقوط الدستور، وإن إنهاء العمل بهذا الأخير يحتاج في حقيقة الأمر إلى إعلان صريح بذلك ممن تولى الأمر في البلاد بعد نجاح الثورة. فقد يرى بأن الدستور جيد وديمقراطي ولا يتعارض مع أفكار الثورة، وأنه يؤكد على الحقوق والحريات العامة ويكفلها، ويضمن تداول السلطة، إلا أن نصوصه لم تكن تلامس الواقع في عهد النظام البائد الذي تعمد حبسها في أطار الأوراق التي كتبت عليها، فمجيء الثورة إذن كان ليصحح الواقع ويفعل مبادئ وأحكام الدستور فترى النور وتمارس الحريات.
كما قد يرى رجال الثورة بأن الأمر لا يستدعي إلغاء الدستور كلياً بل مجرد إجراء تعديلات محدودة لبعض مواده، فلا يعدل إلا ما يخالف الأهداف التي قامت الثورة من أجلها، أو للتأكيد على بعض الضمانات أو توضيحها بدقة أكثر.
ومن الفائدة التأكيد أخيراً، بأن إنهاء العمل بالدستور إثر قيام الثورة لا يؤدي إلى إنهاء العمل بالقوانين العادية كالقانون المدني أو الجنائي أو التجاري أو قانون الأسرة، بل تبقى هذه سارية المفعول، فالدولة لا يمكن أن تعيش في فراغ قانوني، كما أن مضمون هذه القوانين لا يتعلق مباشرة بموضوعات دستورية. ومع ذلك فقد يتم تعديل بعض نصوص هذه القوانين إن كانت أفكار الثورة تتعارض معها.
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

إن شاء الله يكون الأخير

إن شاء الله يكون الأخير
2007-06-12


عرفت دولة قطر أول مجلس للشورى في عهد الشيخ أحمد بن علي آل ثاني الحاكم الأسبق لها في منتصف الستينيات من القرن العشرين وذلك بموجب القانون رقم (6) لسنة 1964، ولم يكن الانتخاب أسلوباً لاختيار أعضاء المجلس، بل كان يتكون من الحاكم رئيساً ونائب الحاكم وخمسة عشر عضواً معينين جميعهم من الأسرة الحاكمة. ولم يجتمع هذا المجلس إلا لمرات محدودة.


وفي بداية السبعينيات من القرن العشرين أصدرت دولة قطر أول دستور مكتوب لها، هو النظام الأساسي المؤقت (دستور 1970) قد وضِع ليتناسب مع ما كانت تهدف إليه الدولة من الانضمام إلى اتحاد الإمارات العربية، وقد نص هذا النظام على إنشاء مجلس للشورى يتألف من الوزراء ومن أعضاء منتخبين. وأصدر الحاكم حينها القانون رقم (6) لسنة 1970 بتنظيم الانتخابات العامة لمجلس الشورى، كما قام بعض الأشخاص بحملات شبه انتخابية موجهة إلى جماعاتهم ومعارفهم ومناطقهم لطرح أسمائهم كمرشحين لهذا المجلس، إلا أن هذا القانون لم يدخل حيز العمل، ولم تجر الانتخابات ولم يباشر المجلس أعماله.


ومع استقلال دولة قطر في 3/9/1971 وعدولها عن الانضمام إلى الاتحاد، كانت هناك ضرورة ملحة لتعديل النظام الأساسي المؤقت ليتناسب مع الأوضاع الجديدة، فأصدرت في 19/4/1972 النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972) الذي نص على إنشاء مجلس للشورى، وكانت النية منذ البداية متجهة نحو التدرج في ممارسة الحياة البرلمانية، فقد اتجه النظام الأساسي المؤقت المعدل إلى اتباع أسلوب التعيين في اختيار أعضاء مجلس الشورى في المرحلة الأولى التي قدرها المشرع بسنة واحدة، فإذا انتهت تبدأ المرحلة الثانية التي يتم خلالها اختيار أعضاء مجلس الشورى عن طريق الانتخاب العام السري المباشر وفقاً للمادة (46) من النظام الأساسي المؤقت المعدل.


وما أن بدأت السنة تقارب على الانتهاء بحيث تسير الدولة خطوة نحو الديمقراطية حتى صدر قرار في عام 1973 بمد مدة المجلس لثلاث سنوات أخرى مما يعني بقاء التعيين كأسلوب لاختيار أعضاء المجلس. ومع عام 1975 والطموح والآمال متجهة نحو قرب صدور قانون انتخاب أعضاء مجلس الشورى، صدر عوضاً عنه قرار بمد مدة مجلس الشورى لست سنوات أخرى، وهكذا تمديد يتلو تمديد إلى أن مرت أكثر من ثلاثين سنة والمجلس كما هو يضم أعضاء معينين، بل تم إلغاء النظام الأساسي المؤقت المعدل، والمادة (46) منه التي تنص على انتخاب الأعضاء لم تفعّل ولم تر النور أبداً.


وأخيراً في عام 2003 تم الاستفتاء على مشروع الدستور الدائم لدولة قطر، فأسفر عن موافقة الأغلبية العظمى - ممن له حق الاستفتاء - عليه، وتم التأخر في إصدار الدستور ونشره بحجة استكمال إعداد التشريعات التي تتطلبها الحياة الدستورية ولم يتم إصدار الدستور إلا بعد مرور سنة من الاستفتاء أي في عام 2004، ولم ينشر إلا بعد سنة من الإصدار أي في عام 2005، وبذلك دخل الدستور حيز النفاذ. ومع نفاذ الدستور اتجهت كل أنظار المواطنين نحو مجلس الشورى الذي نصت المادة (77) من الدستور على أن يتم تشكيله من 45 عضواً يتم اختيار 30 منهم عن طريق الاقتراع العام السري المباشر. غير أن ما ورد في المادة (150) من الدستور على أن (تبقى سارية الأحكام الخاصة بمجلس الشورى الحالي - أي المعين - إلى أن يتم انتخاب مجلس الشورى الجديد)، أعاد إلى الأذهان ما كان ينص عليه النظام الأساسي المؤقت المعدل من تشكيل مجلس الشورى عن طريق الانتخاب، وانه كمرحلة أولى يتم تعيين أعضائه لمدة سنة، فاستمر تأجيل الأخذ بطريق الانتخاب بحجة التدرج نحو الديمقراطية حتى مضى أكثر من ثلاثين سنة وألغي النظام.


ها قد مضت سنتان على دخول الدستور حيز النفاذ - وأربع سنوات على تاريخ الاستفتاء عليه و خمس ثلاثين سنة على الأخذ بفكرة التدرج نحو الديمقراطية - ولم تجر انتخابات أعضاء مجلس الشورى بعد، بل صدر يوم الأربعاء الماضي قراراً بمد مدة مجلس الشورى لسنة أخرى! ندعو الله أن يكون هذا هو التمديد الأخير. كما نأمل أن يكون في تزامن إقرار مجلس الوزراء لقانون انتخابات الشورى الذي أعلن عنه في ذات اليوم الذي مد فيه المجلس المعين، طمأنة للمواطنين بأن يكون هذا هو فعلاً التمديد الأخير.


هذا والله من وراء القصد.

مساءلة الوزراء

مساءلة الوزراء
2007-06-05


تتعدد مسؤولية الوزير، فمنها السياسية ومنها الجنائية، ومنها المدنية، أما بشأن السياسية منها فقد تبنى الدستور القطري ازدواجية مسؤولية الوزير أمام سمو الأمير من ناحية، وأمام مجلس الشورى من ناحية أخرى. فالوزير مسؤول وفقاً للمادة (123) من الدستور أمام سمو الأمير مسؤولية فردية عن أداء واجباته وممارسة صلاحياته. كما أن الوزير مسؤول وفقاً للمادة (111) من الدستور (أمام مجلس الشورى عن أعمال وزارته). وقد منحت كل من المادتين (110) و(111) من الدستور لعضو مجلس الشورى حق استجواب الوزير وحق طرح الثقة فيه الذي قد ينتهي إلى سحب الثقة منه فيعتبر معزولاً من تاريخه. وعادة ما تثار مسؤولية الوزير السياسية عند إخلاله بواجباته المنصوص عليها في الدستور و قانون رقم (21) لسنة 2004 بشأن الوزراء، التي تتطلب منه أداء مهام منصبه بالأمانة والشرف، واستهداف الصالح العام وإنكار المصالح الذاتية، وعدم استغلال النفوذ للحصول على فوائد وميزات ذاتية، وعدم مخالفة أحكام الدستور والقوانين وغيرها من الواجبات.

أما بشأن المسائلة الجنائية فقد نظم المشرع القطري إجراءاتها في الفصل السادس من قانون رقم (21) لسنة 2004 بشأن الوزراء، إذا ما تعلقت بجرائم معينة نص عليها في المادة (12) منه، وترك مساءلتهم بشأن غيرها من الجرائم لتكون وفقاً للقواعد العامة الواردة في قانون الإجراءات الجنائية. والجرائم التي خصص لها قانون رقم (21) لسنة 2004 بشأن الوزراء قواعد إجرائية خاصة هي أولاً: الجرائم المتعلقة بأمن الدولة الداخلي، كتلك المتعلقة بقلب نظام الحكم أو الاعتداء على حياة الأمير أو سلامته أو الاعتداء على سلطاته أو إهانة علم الدولة علناً، كإتلافه أو إنزاله بطريقة تعبر عن الكراهية والازدراء. وثانياً: الجرائم المتعلقة بأمن الدولة الخارجي، كحمل السلاح ضد الدولة أو الارتكاب عمداً لفعل يؤدي إلى المساس باستقلال الدولة أو الالتحاق بالقوات المسلحة لدولة في حالة حرب مع قطر، أو تسهيل دخول العدو البلاد، أو تسليمه جزءاً من أراضيها. وثالثاً: الجرائم المتعلقة بالوظيفة العامة، كجرائم الرشوة والاختلاس والإضرار بالمال العام واستغلال الوظيفة وإساءة استعمال السلطة. أخيراً: الجرائم المتعلقة بالانتخابات، للتأثير على نتيجتها أو نزاهتها.

فإذا ارتكب الوزير أثناء شغله لمنصبه إحدى هذه الجرائم أحيل إلى التحقيق بقرار من سمو الأمير بناءً على طلب رئيس مجلس الوزراء. ويقوم النائب العام بمعاونة من يرى من أعضاء النيابة العامة بالتحقيق، فإذا أسفر التحقيق عن عدم وجود جريمة أو أن الوقائع المنسوبة للوزير لا صحة لها أمر بحفظ التحقيق بقرار مسبب، أما إذا توافرت الأدلة الكافية على تورط الوزير بإحدى تلك الجرائم فعلى النائب العام أن يحيل الدعوة إلى محكمة خاصة تتشكل من خمسة من قضاة محكمة الاستئناف للنظر فيها.

أما بشأن المسؤولية المالية أخيراً، فالوزير مثل غيره من البشر قد يكون خصماً في منازعة مدنية تستوجب التعويض، أو النفقة أو الوفاء، وهي أمر لم يقرر له المشرع قواعد خاصة، فتطبق بشأنه القواعد العامة المقررة في القانون المدني وغيرها من التشريعات.

هذا والله من وراء القصد.

مجلس الوصاية

مجلس الوصاية
2007-05-29


تأتي الدساتير بقواعد عامة مجردة لا يقتصر هدفها على معالجة مسائل وأوضاع آنية، بل تمتد رؤية واضعيها ونظرتهم لتشمل جميع الاحتمالات والمتغيرات التي قد ترمي بها رياح الواقع. لذا ليس مستغرباً أن تعالج المادة (16) من الدستور الدائم لدولة قطر فرضية إذا لم يكن ولي العهد قد أكمل سن الثامنة عشر عاماًَ عند المناداة به أميراً. فقد عهدت المادة إلى مجلس وصاية لا يقل عدد أعضائه عن ثلاثة ولا يزيد عن خمسة للقيام بإدارة دفة الحكم في البلاد. وأعضاء مجلس الوصاية يقوم باختيارهم الأمير القائم حال حياته، فإن توفي ولم يفعل، قام مجلس العائلة الحاكمة باختيارهم. والمقصود بمجلس العائلة الحاكمة هنا، هو ذلك الذي ينشأ بقرار من الأمير وفقاً للمادة (14) من الدستور ويتولى صلاحيات عديدة من أهمها إعلان خلو منصب الأمير عند وفاته، أو عجزه كلياً عن ممارسة مهامه.

وقد اشترط الدستور أن يكون رئيس مجلس الوصاية وأغلبية الأعضاء من العائلة الحاكمة. ونظراً لأن مجلس الوصاية يقوم بإدارة دفة الحكم نيابة عن الأمير إلى أن يبلغ السن الدستورية، فقد اشترط قانون حكم الدولة ووراثته أن يؤدي رئيس مجلس الوصاية والأعضاء قبل توليهم مناصبهم اليمين أمام مجلس العائلة الحاكمة. وقد جاءت صيغة القسم على النحو التالي: (أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصاً لدولة قطر وللأمير وأن احترم الدستور والقانون وأن أؤدي مهمتي كوصي بإخلاص وأمانة وشرف). والملاحظ أن صيغة القسم التي جاء بها قانون حكم الدولة ووراثته تختلف عن صيغ القسم المعتادة والواردة في الدستور، فالمستعرض لمواد الدستور كالمادة (74) بشأن قسم سمو الأمير، والمادة (10) بشأن قسم سمو ولي العهد، وحتى المادة (119) بشأن قسم رئيس مجلس الوزراء والوزراء، يراها جميعاً تنص علاوة على ما تضمنه قسم الوصي المذكور أعلاه، القسم بالله العظيم على (احترام الشريعة الإسلامية)، وعلى صون استقلال البلاد والمحافظة على سلامة إقليمها، والذود عن حريات الشعب ومصالحه. وهي صيغة مفضلة لكونها تتفق مع المادة (1) من الدستور التي تؤكد بأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس لتشريعاتها، والمادة (5) التي تؤكد على المحافظة على استقلال الدولة وسيادتها وسلامة إقليمها وأمنها واستقرارها.

ويمارس مجلس الوصاية الصلاحيات المقررة للأمير، وهي صلاحيات عديدة جاء الفصل الثاني من الباب الرابع من الدستور لينص عليها، ومن أهمها رسم السياسة العامة للدولة والمصادقة على القوانين واللوائح وإنشاء وتنظيم الوزارات والأجهزة الحكومية وإبرام المعاهدات وإعلان الأحكام العرفية وإعلان الحرب الدفاعية وتعين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وإعفائهم وحل مجلس الشورى.

ويعقد مجلس الوصاية اجتماعاته بحضور أغلبية الأعضاء ويشترط أن يكون من بينهم الرئيس، وتصدر القرارات بالأغلبية المطلقة لأصوات الأعضاء الحاضرين، وتصدر هذه القرارات باسم الأمير. وقد نصت المادة (17) من قانون حكم الدولة ووراثته على مهمة أخرى لمجلس الوصاية وهي تهيئة الأمير لتولي مهامه الدستورية في المستقبل، وذلك بإعداده طوال فترة الوصاية لذلك. وتجدر الإشارة إلى أن المذكرة التفسيرية للدستور القطري قد أوردت اسم ولي العهد خطأً عند تفسيرها للمادة (16) من الدستور بنصها على أن يساعد مجلس الوصاية على إعداد (ولي العهد) لتحمل مسؤولياته المستقبلية، والصواب أن تذكر بأن مجلس الوصاية يساعد على إعداد (الأمير) لتحمل مسؤولياته المستقبلية. وهذا هو صريح نص المادة (16) من صلب الدستور، والمادة (17) من حكم الدولة ووراثته، وهو متفق مع القسم الذي يؤديه الوصي بأن يكون مخلصاً للأمير، فولي العهد ينادى به أميراً - أولاً - غير أنه لا يتولى صلاحياته إلا بعد بلوغه ثمانية عشر عاماً، كما إن القول بغير ذلك يجعل منصب الإمارة شاغراً حتى يبلغ ولي العهد السن الدستورية.

ونظراً للدور الخطير الذي يقوم به مجلس الوصاية من ممارسة صلاحيات الأمير واختصاصاته الدستورية، جعلته المادة (13) من قانون حكم الدولة ووراثته تحت إشراف ورقابة مجلس العائلة الحاكمة، ولهذا الأخير أن يعفي أحد أعضاء مجلس الوصاية أو يقبل استقالته، وله أن يعين أعضاءً جدداً بدلاً ممن انتهت عضويته بسبب الإعفاء أو الاستقالة أو الوفاة أو العجز الكلي. وتنتهي مهمة مجلس الوصاية ببلوغ الأمير سن الثامنة عشر عاماً ميلادية، ويباشر الأمير صلاحياته اعتباراً من ذلك التاريخ.
هذا والله من وراء القصد

الإشكاليات الدستورية لإجراءات انتقال الحكم

الإشكاليات الدستورية لإجراءات انتقال الحكم
2007-05-22


بينت المادة (15) من الدستور القطري إجراءات انتقال الحكم إلى الأمير الجديد، والتي تتمثل في أن يصدر قرار من مجلس العائلة الحاكمة يعلن فيه خلو منصب الأمير نظراً لوفاة شاغله أو لإصابته بعجز كلي. ومجلس العائلة المشار إليه هنا ينشأ بقرار أميري ويضم في عضويته الأمير رئيساً وولي العهد وعدداً من أفراد العائلة الحاكمة. وقرار خلو منصب الأمير الذي يصدره هذا المجلس يجب أن يكون بإجماع أعضائه الحاضرين.

كما تشترط المادة (15) من الدستور استكمالاً لانتقال الحكم إلى الأمير الجديد أن تعقد جلسة سرية مشتركة لمجلس الوزراء ومجلس الشورى يعلنان خلو المنصب والمناداة بولي العهد أميراً للبلاد. وهذا ما دلت عليه المذكرة التفسيرية أيضاً بقولها (هكذا تشترك السلطتان التنفيذية والتشريعية في التصدي لطارئ خلو منصب الأمير وإعلان ولي عهده خلفاً له). ونرى أن هدف المشرع الدستوري من مشاركة مجلس الشورى في هذه الجلسة هو رغبته في منح الشعب دوراً في إجراءات المناداة بالأمير الجديد، عن طريق ممثليه في مجلس الشورى.

وبالرغم مما قد هدف إليه الدستور من توسيع دائرة المشاركة الشعبية إلا أنه وللأسف لم يعالج حالة ما إذا لم يكن مجلس الشورى موجوداً!. وهي احتمالية من الممكن أن تقع في الحياة العملية كثيراً، كأن يكون خلو منصب الأمير قد حدث في فترة ما بين الفصول التشريعية ولم تجر انتخابات المجلس الجديد بعد حتى يمكن استدعاءه للجلسة المشتركة، أو أن يكون الأمير قد حل المجلس قبل وفاته وفقاً للمادة (104) من الدستور التي تنص على أن ( للأمير أن يحل مجلس الشورى بمرسوم يبين فيه أسباب الحل، على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى، وإذا حل المجلس وجب إجراء انتخابات المجلس الجديد في موعد لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ الحل..). فهل في هذه الحالة ينفرد مجلس الوزراء بإعلان خلو المنصب مخالفاً بذلك أحكام الدستور؟، أم تتم دعوة مجلس الشورى السابق ليؤدي هذا الدور مع مجلس الوزراء، بالرغم من افتقاد أعضائه للصفة القانونية بسبب انتهاء عضويتهم؟

لا شك أن عدم معالجة هذه الحالة تعتبر ثغرة توجب تدخل المشرع لسدها.! ونرى بأنه لو خلا منصب الأمير وكان مجلس الشورى غائباً، أن يستدعى المجلس السابق ليشترك مع مجلس الوزراء في إعلان خلو منصب الأمير والمناداة بولي العهد أميراً، وذلك تحقيقاً لرغبة المشرع الدستوري في توسيع دائرة المشاركة الشعبية، ولأن القول بغير ذلك سوف يسبب إشكالية أخرى أيضاً وهي تقرير الدستور أن يؤدي الأمير اليمين أمام مجلس الشورى كشرط لممارسة صلاحياته، فقد نصت عليه المادة (74) من الدستور على أن (يؤدي الأمير قبل مباشرة صلاحياته في جلسة خاصة لمجلس الشورى اليمين...). فغيبة مجلس الشورى بسبب حله أو انتهاء فترته يترتب عليها عدم الإمكانية الدستورية لممارسة الأمير الجديد لصلاحياته.

وهذا الله من وراء القصد.

القواعد الدستورية المنظمة لولاية العهد

القواعد الدستورية المنظمة لولاية العهد
2007-05-15


تضم بعض الدساتير ذات النظام الملكي قواعد خاصة بشأن ولي العهد، فهو أمير المستقبل، وتنظيم هذا المنصب ضرورة يستلزمها استقرار شؤون الحكم والبلاد، وهذا ما بينته المذكرة التفسيرية للدستور القطري التي ذهبت إلى أن: «الأعمار بيد الله، وان استمرار الصحة ليس أمراً مضموناً، والأمير عرضة لما يعرض للناس جميعاً فإذا حل الأجل وتوفي الأمير أو إذا ألم به مرض عضال أصابه بعجز كلي لا قدر الله فإن أمور البلاد لا يمكن أن تترك سدى ولا بد ان تواجه تلك الحقيقة مهما كان مبلغها من الإيلام».

واختيار ولي العهد أمر تركه الدستور لاختصاص الأمير القائم وفقاً للشروط التي وردت في الدستور وفي قانون حكم الدولة ووراثته والتي تتمثل في النسب والإسلام والذكورة، وان يكون من أم قطرية مسلمة.
ولم يحدد كل من الدستور وقانون حكم الدولة ووراثته فترة زمنية معينة ينبغي خلالها للأمير القائم أن يحدد من يكون ولياً للعهد على خلاف ما كان منصوصاً عليه في النظام الأساسي المؤقت المعدل - قبل إجراء التعديل عليه - إذ كان يشترط ان يتم ذلك خلال سنة على الأكثر من صدور النظام. ولا شك ان إلزام الأمير أن يختار ولياً للعهد خلال هذه المدة فيه حرص من المشرع على عدم التراخي في أمر تحديد ولي العهد وذلك لتفادي احتمالية خلو منصب الأمير دون تعيين الأمير اللاحق، وهو أمر قد يؤدي إلى شيء من عدم الاستقرار ولو لفترة قصيرة. وهذا ما ذهب إليه دستور دولة الكويت «1962» إذ نص على أن يعين ولي العهد خلال سنة على الأكثر من تولية الأمير.

غير ان دستور دولة قطر الدائم رأى في تقييد الأمير بفترة زمنية محددة لاختيار ولي العهد تضييقاً، مما قد يفرض عليه اختيار من قد لا يراه مناسباً لهذا المنصب. وقد يؤدي اشتراط اختيار ولي العهد خلال سنة من تولي الإمارة إلى احتمالية ترك الأصل العام في اختيار الابن لتولي منصب ولاية العهد، لاسيما إذا كان الأمير صغيراً ولم ينجب بعد.

فإذا حدد الأمير ولي العهد فإن تعيينه لا يتم إلا بعد التشاور مع العائلة الحاكمة وأهل الحل والعقد في البلاد، وهو أمر أكدته السوابق التاريخية في دولة قطر على حرص الحكام في اتباعهم في كل أمر مهم من أمور البلاد. والعائلة الحاكمة لا يعني بها مجلس العائلة الحاكمة المشار إليه في المادة «14» من الدستور، كما لا تعني كل أفراد العائلة وهو أمر متعذر من الناحية القانونية بل رجالاتها ممن يرى سمو الأمير مكانتهم وسداد رأيهم. وأهل الحل والعقد مصطلح فقهي إسلامي ينصرف إلى «أفاضل المسلمين المؤتمنين في هذا الشأن الذين حنكتهم التجارب وعرفوا الصفات المرعية فيمن يناط به أمر الرعية، لأن لكل مقام ما يليق به من العلم، فالشخص البصير بأمور الولاية والسياسية العارف بمن يصلح لمنصب الإمامة هو الشخص الكفء لاختيار الإمام». ويمكن ان ينصرف مفهوم أهل الحل والعقد في وضعنا هنا إلى المستشارين الخاصين بسمو الأمير، وبعض رجالات الحكومة السابقين وبعض الوزراء الحاليين، وبعض أعضاء مجلس الشورى، وكبار رجال الأسر والقبائل القطرية.

فإذا استقر رأي الأمير على من اختاره لولاية العهد كان التعيين بأمر أميري، ويكون حين ذلك لقبه «سمو ولي العهد». ويؤدي ولي العهد أمام الأمير اليمين التالية:
أقسم بالله العظيم ان احترم الشريعة الإسلامية والدستور والقانون، وأن أصون استقلال البلاد واحافظ على سلامة إقليمها، وأن اذود عن حريات الشعب ومصالحه، وان اكون مخلصاً للوطن وللأمير». وأداء سمو ولي العهد لليمين أمر تفرضه عليه الحياة العملية إذ يتولى وفقاً للمادة «11» من الدستور صلاحيات الأمير واختصاصاته نيابة عنه في حال غياب الأمير خارج البلاد، علاوة على ما يعهده الأمير لولي العهد من صلاحيات ومهام أثناء وجوده في البلاد.

والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa