الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

راتب لكل ربة بيت

 
راتب لكل ربة بيت
نشر المقال في 23 نوفمبر 2011
د. حسن عبدالرحيم السيد 

يمنح بعض الدساتير حق اقتراح القوانين لأعضاء البرلمان، فيما يمنح بعضها الآخر هذا الحق لأعضاء البرلمان ولرجال الحكومة معاً، في حين تذهب دساتير أخرى إلى قصر اقتراح القوانين على الحكومات فقط. وفي الديمقراطيات المباشرة حيث يحكم كل الشعب نفسه بنفسه كمقاطعتي قلاريس وأزنبل في سويسرا فإن اقتراح القوانين حق لكل مواطن حيث يجتمع كل المواطنين مرة في السنة لاتخاذ القرارات السياسية التي تهمهم. وهناك صورة أخرى للديمقراطية يطلق عليها فقهاء الدستور "ديمقراطية شبه مباشرة"، يقوم من خلالها عدد معين من المواطنين يشكلون نسبة معينة من الشعب كعشرين بالمائة، مثلاً، باقتراح قانون معين يرفع إلى البرلمان ومن ثم يأخذ هذا الاقتراح مجراه عبر الإجراءات التشريعية المختلفة. 
ولما كان الاقتراح مجرد فكرة قد يصادف قبولاً من البرلمان أو الحكومة فيصاغ في قالب قانون ويُصدق ويصدر، أو قد لا يلقى قبولاً فيوأد ويذهب أدراج الرياح، فإنني أرى بأن من حق كل إنسان مواطن أو مقيم أن يقترح ما شاء الله له أن يقترح، لذا فإنني أقترح مشروع قانون يتمثل في: منح كل ربة بيت مخصصات مالية شهرية.
وأقترح أن يشترط في ربة البيت حتى تستفيد من هذه المخصصات ما يأتي:
- أن تكون قطرية الجنسية أو زوجة لشخص قطري الجنسية. 
- أن يكون لديها أبناء، سواء كانت العلاقة الزوجية مستمرة، أو كانت أرملة أو مطلقة.
- أن تكون حاصلة على الشهادة الثانوية على الأقل.
- ألا تكون لديها وظيفة في الحكومة أو عمل تتقاضى منه راتباً من أية جهة من الجهات.
- ألا تستلم معاشاً تقاعدياً.
- ألا تعمل في التجارة بشكل مباشر.
- ألا تكون لديها أكثر من خادمة واحدة.
واقترح أن تضاف إلى هذه المخصصات علاوات أخرى إذا أثبتت الأم تفوق أبنائها في الدراسة، أو مشاركتهم المستمرة في خدمة المجتمع أو العمل التطوعي أو حفظهم لأجزاء من كتاب الله أو أي أمر آخر يمكن إثباته ويعود بالنفع على الأسرة والمجتمع والوطن. 
إن تبني مثل هذا الاقتراح سوف يعني الاعتراف بعمل ربة البيت كوظيفة اجتماعية مقدسة كغيرها من الوظائف، وهي بلا شك وظيفة طبيعية تفرضها الفطرة الإنسانية على كل أم ولا تستوجب في الأصل المكافأة المادية عليها، ولكن في المقابل، فإن حاجة بعض الأسر إلى المال قد تدفع ربات البيوت إلى العمل وترك المنزل لفترة طويلة لاسيَّما هذه الأيام التي امتدت فيها ساعات الدوام اليومي في الكثير من الجهات إلى الثانية والنصف ظهراً ومع زحمة الشوارع فإنها قد لا تصل البيت إلا عند الثالثة في أفضل الأحوال، ناهيك عن امتداد التأثير النفسي للعمل حتى بعد ساعات الدوام الفعلية والرجوع إلى المنزل.
إن ترك الأم المنزل للعمل لا شك بأنه يشكل فراغاً وشاغراً لن يغطيه عوضاً عنها أحد مهما كان، ولما كان الكثير من الأمهات يرغبن في منح بيوتهن وأسرهن المزيد من الوقت، إلا أن الظروف المعيشية تدفعهن إلى خلاف رغباتهن فإن تبني مثل هذا الاقتراح سوف يحقق فوائد عظيمة تعود ثمارها على المجتمع بأسره. 
إن هذا الاقتراح لا يهدف في أي حال من الأحوال إلى قتل الطموح لدى المرأة أو منعها من العمل أو مواصلة دراستها إلى ما بعد الثانوية، فلكل امرأة حق الاختيار دون أي فرض أو قسر. ولكن هذا القانون يهدف إلى تحقيق التوازن الطبيعي المستقر في الإرث الإنساني العظيم، ويمكّن الأم من خلق شعب طيب الأعراقِ. كما أن هذا الاقتراح لا يمنع أية امرأة من العمل خارج البيت ولكن في هذه الحالة سوف تفقد المسمى الوظيفي الرفيع الممنوح لها بلا منازع عبر الزمان، إلا وهو: (ربة البيت)، وسوف تستبدله بمسميات أخرى لا تكون هي (الربة) في موقعها بل تابعة أو خاضعة لغيرها. 
أن دولة كدولة قطر أقسم فيها الأمير "أن يكون المواطن القطري أعز مواطن، يُغبط من غيره لكونه قطريا، ويقول لو لم أكن قطريا لتمنيت أن أكون قطريا" لا تعجز عن تقرير صندوق استثماري أو أوقاف خاصة يخصص ريعها لهذه المخصصات التي تحيي فيه دور الأم.

هذا والله من وراء القصد

أملاك الدولة.. بين الحماية وشرعنة الاعتداء عليها

أملاك الدولة.. بين الحماية وشرعنة الاعتداء عليها
2011-12-27


في الأسبوع الماضي أنشأ سمو نائب الأمير لجنة حماية أملاك الدولة برئاسة سعادة وزير الدولة لشؤون الداخلية، تهدف إلى حماية أملاك الدولة ومنع التعدي عليها. ولا شك أن إنشاء مثل هذه اللجنة أمر جميل للغاية ويصب في المصلحة العامة ويضع لبنة جديدة في بناء دولة القانون. كما أن اختيار وزير الدولة لشؤون الداخلية سعادة الشيخ عبدالله بن ناصر لرئاسة هذه اللجنة أمر جميل آخر، لما عرف عن هذا الرجل من صدق وإخلاص وإبداع وإتقان انعكس على عمله حقاً، فذهب في مهام وزارته إلى مصاف الكمال.
وأملاك الدولة التي جاء إنشاء هذه اللجنة لحمايتها تنقسم إلى أملاك عامة وأخرى خاصة. فأملاك الدولة العامة هي العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة والتي تكون مخصصة للمنفعة العامة بالفعل أو بموجب تشريع. ومن أمثلتها ما قررته المادة (3) من قانون رقم (10) لسنة 1987 كشواطئ البحر، والشوارع والطرقات والموانئ والمرافئ والمراسي وخطوط النقل والمواصلات والآثار والمتاحف والمكتبات العامة وغيرها. أما أملاك الدولة الخاصة فهي التي تكون مملوكة للدولة أو لأحد أشخاص المعنوية العامة ولكن لا تكون مخصصة للمنفعة العامة أو انتهى تخصيصها للمنفعة العامة.
ومن أمثلتها الأراضي التي لا مالك لها والتي تقع داخل حدود المدن والقرى أو خارجها والقطع المتروكة من أملاك الدولة العامة كفضلات الطرق والمساحات العامة وغيرها مما جاء في المادة (9) من قانون أملاك الدولة الخاصة والعامة.
والحماية التي قررها القانون لأملاك الدولة تتمثل في أنه لا يجوز التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات القانونية أو الحجر عليها أو تملكها بالتقادم أو سحب أي حق عيني عليها، أو حيازتها أو استغلالها بأي وجه، وأن أي أمر يتم بالمخالفة لذلك يقع باطلاً ويجوز إزالته إدارياً.
ولكن هذه الحماية المقررة قانوناً لأملاك الدولة ترد عليها استثناءات، قد تذهب بقيمتها، إذ يجوز بمرسوم أن يمنح لشخص طبيعي أو معنوي امتياز بالانتفاع أو باستغلال مال معين من أملاك الدولة العامة، كما يجوز بمرسوم الترخيص بالانتفاع بأملاك الدولة الخاصة. علاوة على أن القانون يجيز للحكومة أن تتنازل عن الحماية المقررة لأملاك الدولة بموجب اتفاق أو تعهد.
ولا شك بأن التصرف في أملاك الدولة أمر قد تقتضيه ضرورات المصلحة العامة والعمل وإدارة واستثمار أملاك الدولة بشكلٍ أمثل، ولكن ترك هذا الأمر للترخيص أو للأداة التشريعية (مرسوم) أمر تكمن فيه خطورة قد تجعل الاعتداء على أملاك الدولة أو توزيعها أو إهداءها مشروعاً. لذا كان من الأفضل أن يجاز ذلك بالأداة التشريعية (قانون)، وهي أداة يشترك مجلس الشورى في سنها ولا تنفرد بوضعها السلطة التنفيذية، لاسيما إن كان مجلس الشورى منتخباً وبه أعضاء يمثلون الشعب، علاوة على ما يمتاز به القانون كأداة تشريعية من علنية في مناقشة مشروعاته ونشره في الجريدة الرسمية.
بقي أن نقول إن فاعلية دور لجنة حماية أملاك الدولة التي أنشئت في الأسبوع الماضي سوف تتوقف على مدى التعامل مع جميع الانتهاكات والتجاوزات على القدر ذاته دون محاباة أو غض للطرف. فلا يغفل، على سبيل المثال، عن فلان الشريف لسرقته مئات الكيلو مترات المربعة ووضع يده عليها، ويمسك بفلان الضعيف لأنه اعتدى على الأرض المجاورة لمنزله بأن أقام عليها خيمة يستقبل بها ضيوفه أو "طبيلة" تستظل بها سيارته. ونستهدي بهدي النبي صلى الله عليهم وسلم ونستشهد بما قال: ((يا أَيُّهَا الناس إنما ضَلَّ من كان قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وإذا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عليه الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يدها)).
وهذا فعلاً ما نلتمسه في سعادة وزير الدولة لشؤون الداخلية الذي لا تأخذه في الحق ولا في تطبيق القانون لومة لائم.. والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

أنا عربي.. وافتخر

أنا عربي.. وافتخر
2011-12-20


كان النظام الأساسي المؤقت المعدل لدولة قطر، (الدستور السابق الذي وضع في بداية السبعينيات من القرن الماضي)، يحتوي نصوصاً جميلة تؤكد إيماننا "بأخوة العرب جميعاً" وبأن "الاتحاد بين الدول العربية ضرورة مصيرية"، وأن الدولة سوف "تكرس كل ما يمكن من جهودها لتأييد ذلك الاتحاد والعمل على تحقيقه في أنسب صورة تجمع بينها وبين تلك الدول الشقيقة التي تربطها بها أعمق الروابط جذوراً وأكثرها قوة وأشدها أصالة". (انظر البندين (ب)، و(جـ) من المادة (5) من النظام). هذه النصوص لم يؤكد عليها في الدستور الدائم (الحالي)، لكن هذا الأخير مازال والحمد لله محتفظاً بما جاء في النظام الأساسي، بأن "قطر دولة عربية"، "ولغتها الرسمية هي اللغة العربية" وأن "شعب قطر جزء من الأمة العربية".
ولاشك بأن حلم الاتحاد العربي الذي كان يسود الأجواء العربية في ذلك الزمن وأكدت عليه دساتيرها الصادرة في تلك الفترة لم يتحقق ولم يكن له أن يتحقق بسبب بسيط هو عدم اتحاد حكومة كل دولة عربية داخلياً مع شعبها ابتداءً. فاتحاد هذه الدول يقتضي أن يكون الشعب في كل منها هو صاحب السيادة فيها، وبما أن هذا كان مفقوداً، لذا أصبح حلم من يحكم تلك الدول يختلف عن حلم الشعب العربي، فالحاكم حلمه أن يبقى مسيطراً مستبداً متميزاً متفرداً، والاتحاد العربي لا يُحقق له ذلك ويفقِده مكانته التي سرقها ظلماً باسم الشعب.
وبعيداً عن حلم الاتحاد العربي الذي كان إيماناً راسخاً في القلوب فتزعزع ثم تفتت ثم تبخر شيئاً فشيئاً، فإن "عروبة الدولة" التي هي حقيقة وكانت حقيقة فعلاً، يجب ألا تنسحب من الواقع شيئاً فشيئاً وتتحول إلى حلم تتنهد بذكراها نفوس المواطنين وتدمع قلوبهم لأفولها.
وأرى بأن عروبة الدولة لا يمكن المحافظة عليها إلا إذا أصبحت اللغة العربية هي السائدة في معاملاتنا وتعاقداتنا واجتماعاتنا ومخاطباتنا وكتبنا ومناهجنا وجامعاتنا وشؤوننا العامة، فاللغة العربية التي استوعبت في الماضي علوم اليونان والروم والفرس والهند وكتب علمائها وفلاسفتها تستطيع أن تستوعب اليوم المصطلحات العلمية والفنية والتقنية، واللغة العربية التي أثرت على لغات الشعوب في الماضي فتكلم سكان تلك البلاد بها واتخذتها لغة لها وأحرفاً لكتابتها، غير عاجزة عن مواكبة التطور والعلم والتكنولوجيا.
إذن ما هي المشكلة؟ هل هي ثقافة المنتصر تتطلع إليها نفوس الدول المغلوبة؟ أم هي عقدة الأجنبي في أنفسنا التي تحجب النظر إلى ما عداه؟ أم أن اللغة العربية لم تعد لغة العلم والتطور والحضارة؟ فإن أردنا أن نتقدم، وجب استخدام لغة صالحة للتقدم.
يقول مالك بن نبي على لسان أحد المصلحين: "أخرجوا المستعمر من أنفسكم يخرج من أرضكم"، وأقول: أخرج المهانة والذل وتحقير الذات من نفسك تكن قوياً متقدماً مبصراً. فالزعم بأن لغتنا غير صالحة للتقدم ما هو إلا وَهَمْ غُرس في نفوسنا فصدقناه، وإلا ما هو تفسير اعتزاز كل الدول المتقدمة اليوم بلغاتها تستخدمها في مدارسها وشؤونها العامة ومعاملاتها المختلفة، ولم تقف عائقاً دون تقدمها وحضارتها، كما لا يستطيع أحد أن يزعم أن اللغة الإنجليزية هي سبب تقدم هذه الدول.
وليس غائباً عني في هذا المقام أهمية تعلم اللغات للتبادل والاحتكاك الثقافي والحضاري، وليس غائباً عني أيضاً أن اللغة الإنجليزية أصبحت اللغة الأساسية في المعاملات التجارية والمالية، لكن هذه أمور يمكن احتواؤها والتعامل معها بقدرها وضمن حدودها.
ويجب التأكيد هنا على حقيقة مهمة جداً هي: أن اللغة العربية باقية ما بقيت البشرية فهي محفوظة بحفظ الله تعالى للقرآن الكريم الذي أنزله على النبي العربي المبعوث لجميع البشر بجميع أجناسه وأعراقه ولغاته، أنزله "بلسان عربي مبين". فإن كانت هذه حقيقة فلنجعل التاريخ يشهد لنا بأننا عززنا هذه اللغة ولم نضعفها، كما شهد التاريخ من قبل بأن الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان عرب الدواوين بعد أن كانت بالفارسية في العراق واليونانية في مصر والشام، وكما شهد التاريخ للخليفتين الرشيد والمأمون بعد تأسيس بيت الحكمة الذي كان مكتبة ومرصدا لترجمة الكتب من مختلف العلوم كالطب والكيمياء والفلسفة ومن مختلف اللغات إلى اللغة العربية.
وقد تميزت قطر بمناصرتها شعوب الدول العربية ووقوفها بجانبهم ضد الاستبداد، وهي مؤهلة حقاً كي تتميز في نُصرة اللغة العربية. فلتنشئ قطر مؤسسة ضخمة للترجمة ومجمعاً للغة العربية، تكون رؤيتها خلالها واضحة ورسالتها واضحة مبنية على أساس دعم اللغة العربية وجعلها لغة العلوم والمعرفة والتقدم، وتقوم في هذه المؤسسة بترجمة أهم الكتب والأبحاث في مختلف العلوم والآداب والفنون ومن مختلف اللغات إلى اللغة العربية. ولضمان جودة الترجمة وسرعتها ومواكبتها للتطور السريع للعلم والتكنولوجيا، فإن الأمر يقتضي أن تقف الدولة وراءه بقوة، فتصدر هذه الترجمات وتُحَدثها وفقاً لتطورها وتوزعها إلكترونياً وورقياً وتدعم بها المكتبات العامة في مختلف الدول العربية. إن هذا الأمر يجعل قطر منارة للعلم والمعرفة وداعمة حقيقية للغة العربية وسوف يشهد التاريخ أنه تم ذلك لسمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني كما شهد من قبل لعبدالملك بن مروان وهارون الرشيد والمأمون.
أمر آخر سوف يدعم اللغة العربية في دولة قطر العربية هو الاعتماد على العرب الأكفاء. فأمة قوامها نصف مليار ويعيش الكثير من أبنائها كعلماء وأساتذة وباحثين في الدول الغربية لن تعدم أن تمدنا بالنخب ليسدوا الفراغ في المجالات التخصصية المختلفة بدلاً من الاعتماد على الغربيين، فلتكن قطر حاضرة العرب كما كانت بغداد والقاهرة وغيرها حواضر تجذب العلماء والمفكرين إليها فيقيموا فيها ويتركوا للبشرية تراثاً هو أساس التقدم الحضاري في مختلف العلوم اليوم.
كما يمكن لدولة قطر أن تتبنى أفضل المتفوقين علمياً وخلقياً من طلبة الثانوية العامة في مدارس الدول العربية الأخرى الذين تتوافر فيهم شروط الالتحاق في جامعة قطر وجامعات المدينة التعليمية، فتتكفل بمصاريف دراستهم وإقامتهم، وفق خطة مدروسة لدمجهم في المجتمع القطري، وتطبيق المادة (6) من قانون الجنسية القطرية عليهم، التي تجيز لسمو الأمير "منح الطلاب النابغين ذوي القدرات العلمية الواعدة وبناء على مقتضى المصلحة العامة الجنسية القطرية". فإن كانت قطر قليلة في عدد شعبها، "ولا تقوم حضارة دون شعب" فإن عمقها العربي بعيد ومتجذر ويصلح أن يكون أساساً لبناء الحضارة.
وأخيراً، أجد نفسي في غاية السعادة والسرور بسبب مصادفة اليوم الوطني لدولة قطر، اليوم العالمي للغة العربية الذي قررته منظمة الأمم المتحدة ليكون في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وهو التاريخ الذي صدر فيه قرار الجمعية العامة رقم (3190 (د – 28) في عام 1973 بجعل اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية الست للجمعية وهي العربية والانجليزية والفرنسية والروسية والصينية والإسبانية، وقد جاء في ديباجة هذا القرار "أن الجمعية العامة تدرك ما للغة العربية من دور هام في حفظ ونشر حضارة الإنسان"، فهل هو فأل حسن يكشف لنا دعم قطر للغة العربية؟ نتمنى ذلك.

halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 12 ديسمبر، 2011

فاعلية هيئة الرقابة.. والجمع بين المناصب والسلطات!

فاعلية هيئة الرقابة.. والجمع بين المناصب والسلطات!
2011-12-13


 في مقال الأسبوع الماضي تناولت قرار إنشاء هيئة الرقابة الإدارية والشفافية، وتم التركيز على جوانب منه، لاسيما الاختصاصات الواسعة للهيئة والتي تبتعد شيئاً ما عن مضمون الهدف من إنشائها، فتَتَشتّتْ جهودها دون إصابة المرمى. وأشرت في المقال ذاته كذلك إلى عناصر البيئة التي تحيا في جوّها الشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد، ومن أهمها وجود المجلس التشريعي المنتخب والمستقل والمراقب للحكومة سياسياً ومالياً، ووجود إعلام حر ومنظمات المجتمع المدني المستقلة، والقضاء الإداري ذي الاختصاص الشامل الذي تخضع لرقابته جميع القرارات الإدارية.
ويستدعي موضوع هيئة الرقابة الإدارية والشفافية التطرق لجانب آخر لم نتناوله في المقال السابق، وهو موضوع فاعلية الهيئة وقدرتها على أداء دورها في استقلال وحياد، لاسيما إذا أبرزنا مسألة الجمع بين منصب رئيس الهيئة ومنصب نائب رئيس مجلس الوزراء في شخص واحد. ذلك أن الهيئة أنشئت لتكون مستقلة عن مجلس الوزراء فهي تتبع سمو الأمير مباشرة، كما أن التمعن في النصوص المبينة لهدف إنشائها وتلك المحددة لاختصاصاتها والمعددة للجهات التابعة لرقابتها يظهر مدى أهمية إبقاء هذه الهيئة مستقلة عن مجلس الوزراء كي تحقق هدفها.
لكن كيف يمكن أن يتحقق ذلك في حال الجمع بين المنصبين؟ فالعديد من المسائل التي تختص الهيئة بالكشف عن عيوبها والبحث والتحري عن أسباب قصورها، تتم باقتراح أو بموافقة أو باعتماد أو بإقرار أو تحت إشراف مجلس الوزراء. فمجلس الوزراء وفقاً للمادة (121) من الدستور هو المختص باعتماد اللوائح والقرارات التي تعدها الوزارات والأجهزة الحكومية تنفيذاً للقوانين، وهو المختص باقتراح إنشاء الأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة، وتنظيم هذه الأجهزة والمؤسسات، كما أنه المختص في إدارة مالية الدولة، والمختص بالرقابة العليا على سير النظام الحكومي والإداري. ومجلس الوزراء هو المختص أيضاً وفقاً لما أشارت إليه المادة (4) من قانون رقم (21) لسنة 2004 بشأن الوزراء بإقرار السياسة العامة للوزراء والتي يشرف على تنفيذها كل وزير في نطاق وزارته، بل إن القانون يفرض على كل وزير أن يعرض الموضوعات المتعلقة بنشاط وزارته والبيانات والتقارير المتعلقة بها على مجلس الوزراء. فجميع هذه النصوص تبين أن مجلس الوزراء ليس بمنأى عما يجري ويحدث ويعتمد وينفذ في هذه الأجهزة والوزارات والمؤسسات.
ورئيس الهيئة الذي هو في الوقت ذاته نائب رئيس مجلس الوزراء هو عضو في مجلس الوزراء وفقاً للمادة (2) من قرار تنظيم مجلس الوزراء رقم (28) لسنة 2009، الذي يأخذ قراراته بموافقة أغلبية الأعضاء، "وتلتزم الأقلية برأي الأغلبية". فنائب رئيس مجلس الوزراء يشترك إذن في اتخاذ القرار، ويلتزم برأي الأغلبية وإن خالفت رأيه. بل إن نائب الرئيس يحل محل الرئيس في حال غيابه. فمن الأجدى إذن ألا يتم الجمع بين رئاسة الهيئة ومنصب نائب رئيس مجلس الوزراء.
ومن جانب آخر يجب ألا يغيب عن ذهننا أخيراً، أن وجود الهيئة لن يحقق الهدف المنشود من إنشائها، في ظل شرعنة الفساد. ونقصد بذلك تغطية المساس بالمال العام بغطاء تشريعي يجعل هدر المال العام مشروعاً فلا يمكن محاسبة أو معاقبة مرتكبه. وهذا يتحقق عندما تُجمع سلطة التشريع مع سلطة التنفيذ في يد واحدة.
هذا والله من وراء القصد
halsayed@qu.edu.qa

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2011

هيئة الرقابة الإدارية والشفافية هل ستحقق أهدافها؟

هيئة الرقابة الإدارية والشفافية هل ستحقق أهدافها؟
2011-12-06


في الأسبوع الماضي أصدر سمو الأمير قراراً أميريا بإنشاء هيئة الرقابة الإدارية والشفافية، ومن محاسن الصدف أن يقترن هذا الخبر بخبر حصول دولة قطر على المرتبة الأولى عربياً في مجال الشفافية وفق تقرير منظمة الشفافية العالمية السنوي، وهذه ليست المرة الأولى التي تنال بها قطر هذه المرتبة المتقدمة عربياً، بل وتتفوق بها على دول غربية متقدمة كفرنسا وأمريكا.
ولا شك أن وجود هيئة تعني بنزاهة الوظيفة العامة ومكافحة الفساد واستغلال النفوذ على حساب المصلحة العامة أمر في غاية الأهمية، ويحمد للمشرع القطري تبنيه لهذا الأمر وتخصيص هيئة مستقلة له.
ولكن المطلع على قرار إنشاء الهيئة لابد أن يثير انتباهه اتساع اختصاصات الهيئة وخروجها عن الهدف التي توّجت به المادة الرابعة من قرار إنشاء الهيئة والذي يتمثل في "تحقيق الرقابة والشفافية ونزاهة الوظيفة العامة ومكافحة الفساد بكافة صوره وأشكاله، ومنع وقوع الجرائم التي تمس المال العام أو الوظيفة العامة والعمل على ضبط ما يقع منها..".
فالنص على سبيل المثال على أن للهيئة "البحث والتحري عن أسباب القصور في العمل والإنتاج واقتراح وسائل تلافيها"، وأن للهيئة "الكشف عن عيوب النظم الإدارية والفنية والمالية التي تعرقل السير المنتظم للعمل"، وأن للهيئة "متابعة تنفيذ القوانين والتأكد من أن القرارات واللوائح والأنظمة السارية وافية لتحقيق الغرض منها" وأن للهيئة "الكشف عن المخالفات الإدارية والفنية التي تقع من الموظفين" أو غيرها، يدخل في مجمله في مجال مراقبة الأداء وجودة العمل، ويخرج عن صميم الهدف الذي نص عليه القرار والمتمثل في مكافحة الفساد واستغلال النفوذ وتحقيق النزاهة والشفافية في الوظيفة العامة. وهو أمر يخشى أن يؤدي إلى عرقلة دور الهيئة الحقيقي بسبب تشتتها في أمور لا تدخل في مضمون إنشائها. لاسيما إن عرفنا أن جهدها هذا سوف يوزع على عدد كبير جداً من الوزارات والأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة والجمعيات والمؤسسات الخاصة ذات النفع العام.
هذا علماً بأن مثل هذه الاختصاصات والمتمثلة بالبحث عن أسباب القصور في العمل والإنتاج أو عيوب النظم الإدارية والفنية التي تعرقل السير المنتظم للعمل أو الكشف عن المخالفات الإدارية والفنية هي من صميم عمل الجهات ذاتها، إذ جاءت التشريعات الخاصة بإنشائها أو بتنظيمها وتعيين اختصاصاتها لتوكلها مهمة وضع الخطط اللازمة لتسيير وتطوير العمل بالجهة ومتابعة تنفيذها تحت إشراف الوزير المختص أو الرئيس المختص، وهو أمر يخضع في نهاية المطاف للرقابة العليا لمجلس الوزراء وفقاً لنص المادة (121) من الدستور القطري التي تبيّن في بندها الخامس بأن من مهام مجلس الوزراء "الرقابة العليا على سير النظام الحكومي المالي والإداري".
لذا كنا نتمنى أن يتم تركيز الجهود على تحقيق الهدف من إنشاء الهيئة وذلك بقصر دورها على الكشف عن استغلال الموظفين لوظائفهم وإساءة استغلال السلطة والمخالفات المالية والمساس بالمال العام والفساد الإداري.
هذا ومن جانب آخر نتمنى أن يؤخذ بمفهوم "الموظف العام" في هذا القرار ما نصت عليه المادة (3) من قانون العقوبات كي لا يقتصر فقط على الموظفين والعاملين من ذوي الدرجات الوسطى والدنيا، بل يتسع أيضاً ليشمل "القائمين بأعباء السلطة العامة" كالوزراء والمسؤولين ورؤساء وأعضاء مجالس الإدارات والمديرين في الجهات الخاضعة للرقابة.
ونرى من الأهمية، أيضاً، أن يمارس أعضاء الهيئة صلاحياتهم الرقابية في إطار الضمانات المكفولة للموظفين في القوانين والتشريعات الأخرى، فلا يخرج على سبيل المثال ما قررته المادة (14) لأعضاء الهيئة من صلاحية "طلب وقف أو إبعاد الموظف مؤقتاً عن العمل أو الوظيفة"، أو "طلب معاقبة الموظف تأديبياً إذا أخفى بيانات عن عضو الهيئة أو امتنع عن تقديمها أو رفض اطلاعه عليها" عن نطاق أحكام قانون الإجراءات الجنائية وقانون الموارد البشرية.
وفي الختام ينبغي التأكيد على أن الشفافية الحقيقية ومكافحة الفساد لا تتم إلا بوجود دعامات الديمقراطية الأساسية من مجلس تشريعي منتخب له حق توجيه الأسئلة للحكومة واستجوابها ومراقبتها سياسياً ومالياً، ومعرفة موارد الدولة وموازنتها والحساب الختامي لها، ووجود إعلام حر، ومنظمات مجتمع مدني معنية بذلك، وقضاء إداري ذو صلاحيات شاملة، وحظر ممارسة الوزراء والمسؤولين للتجارة وكشف ذممهم المالية. لذا ينبغي إعادة النظر في بعض التشريعات المهمة كقانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة، وقانون الفصل في المنازعات الإدارية، وقانون رقم (21) لسنة 2004 بشأن الوزراء، وغيرها.
والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa