الثلاثاء، 21 نوفمبر 2017

انتخابات منصفة


انتخابات منصفة
جريدة الشرق القطرية
21 نوفمبر 2017


أكد سمو الأمير في خطابه أمام مجلس الشورى، في افتتاح دور انعقاده السادس والأربعين، على أن "الحكومة تقوم حاليًا بالإعداد لانتخابات مجلس الشورى بما في ذلك إعداد مشروعات الأدوات التشريعية اللازمة على نحو يضمن سير هذه الانتخابات بشكل مكتمل، بحيث نتجنب الحاجة إلى التعديل في كل فترة. فثمة نواقص وإشكاليات قانونية لابد من التغلب عليها ابتداءً لكي تكون انتخابات مجلس الشورى منصفة. وسوف تعرض على مجلسكم الموقر خلال العام القادم".
 وأتوقف في هذا المقال عند قول سموه "فثمة نواقص وإشكاليات قانونية لابد من التغلب عليها ابتداء لكي تكون انتخابات مجلس الشورى منصفة".

والانتخابات المنصفة التي نوه عنها سمو الأمير في خطابه لابد أن تنصرف إلى تحقيق العدالة بين المواطنين بعدم حرمان طائفة منهم من ممارسة حقي الترشيح والانتخاب مطلقًا، ولكن أين تكمن الإشكالية القانونية والدستور القطري قد نص في المادة (34)  منه على أن "المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة" ونص في المادة (42)  منه على أن "تكفل الدولة حق الترشيح والانتخاب للمواطنين، وفقًا للقانون"، وهو يعني صراحة أن كل المواطنين متساوون في الحقوق السياسية، سواء كانوا مواطنين بصفة أصلية أم مواطنين ممن اكتسبوا الجنسية؟
 أرى إن الإشكالية القانونية تكمن فيما قرره قانون الجنسية رقم (38)  لسنة 2005 من أنه "لا يكون لمن اكتسب الجنسية القطرية حق الانتخاب أو الترشيح أو التعيين في أي هيئة تشريعية". إذ إن هذا الأمر يمكن تقبله لو تم حرمان هذه الفئة لمدة مؤقتة فيما تسمى مدة اختبار الولاء، أو تم قصر الحرمان على من اكتسب الجنسية دون أن يتعدى الحرمان إلى ذريته من بعده، ولكن قانون الجنسية القطري لم يكتف بذلك بل نص على أنه "يعتبر قطريًّا بالتجنس من ولد في قطر أو الخارج لأب قطريّ بالتجنس". وهو بهذا لم يحرم أبناء المتجنس من التمتع بحقي الترشيح والانتخاب فقط، بل قرر ذلك على جميع ذريته مهما تفرعت وتعاقبت، إذ يعتبر ابن المتجنس متجنسًا، وهذا الأخير باعتباره متجنسًا بحكم القانون سوف يضفي على أبنائه صفة التجنس كذلك، وهكذا جيلًا بعد جيل إلى ما لا نهاية. مما يؤدي إلى اتساع نطاق المحرومين من المواطنين من حقي الترشيح والانتخاب مع تعاقب الزمان وتناسل الأجيال. وهو أمر ينجم عنه آثار سلبية لاسيَّما أن هذه الفئة سوف تشكل الأغلبية مع مرور الوقت. 

ولا شك بأن هذا الأمر يمكن معالجته لو كان قانون الجنسية تشريعًا عاديًا يتم تعديله بالإجراءات ذاتها التي تعدل بها القوانين العادية، غير أن الإشكالية هي أن الدستور القطري منح أحكام الجنسية القطرية الصفة الدستورية، بمعنى أنه لا يمكن تعديل أحكامه إلا بالإجراءات ذاتها التي تعدل به مواد الدستور ذاته، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق في ظل مجلس الشورى المعين لكون هذا المجلس لا يستطيع أن يمارس اختصاصات المجلس المقررة في الدستور ومنها اقتراح تعديل الدستور وإقرار طلب تعديل الدستور. وبالتالي لا يمكن أن يعدل الدستور أو أي قانون له صفة دستورية إلا في ظل المجلس المنتخب. 

 ومما سبق نستشعر قول سمو الأمير: "فثمة نواقص وإشكاليات قانونية لا بد من التغلب عليها ابتداء لكي تكون انتخابات مجلس الشورى منصفة". 

 ومن جانبنا نرى أن التغلب على هذه الإشكالية القانونية يكمن في اعتبار الصفة الدستورية التي قررها الدستور لأحكام الجنسية القطرية قد لحقت بقانون الجنسية السابق رقم (2)  لسنة 1961، لأن أحكامه هي التي كانت سارية ونافذة وقت بدء العمل بالدستور الحالي، فبالتالي اكتسب قانون الجنسية رقم (2)  لسنة 1961 الصفة الدستورية فلا يمكن تعديله أو إلغاؤه أو إحلال قانون جديد محله إلا باتباع الإجراءات ذاتها التي تتبع عند تعديل الدستور. ولما كانت هذه الإجراءات لم تتبع فإن إصدار قانون الجنسية الحالي رقم (38)  لسنة 2005 بعد ستة أشهر من دخول الدستور حيز النفاذ، وفي ظل المجلس المعين يعتبر باطلا (انظر بحثنا المعنون بالصفة الدستورية لأحكام الجنسية القطرية وأثرها على قانون الجنسية الجديد). 

 كما يمكن التغلب جزئيًا على هذه الإشكالية في أن يذهب قانون انتخاب مجلس الشورى المرتقب إلى حرمان مكتسب الجنسية والجيل الأول من ذريته فقط على اعتبار أن تفسير ما جاء في قانون الجنسية القطري من أن (يعتبر قطريًّا بالتجنس من ولد في قطر أو الخارج لأب قطريّ بالتجنس)  يقصد به الجيل الأول ولا يمتد إلى غيره من الأجيال.

عدا ذلك فإن حل هذه الإشكالية لا يمكن أن يكون إلا بعد صدور قانون انتخاب مجلس الشورى المرتقب منسجمًا مع ما يشترطه قانون الجنسية القطري (38)  لسنة 2005 من شروط ابتداءً، ثم يتم تعديل قانون الجنسية في ظل المجلس المنتخب وفقًا للإجراءات التي تتبع لتعديل الدستور فتحذف منه المواد التي تنص على تضييق دائرتي الترشيح والانتخاب. والله من وراء القصد. 

الأربعاء، 29 يونيو 2016

لماذا نخشى المجلس المنتخب

بمناسبة صدور قرار بتمديد  جديد لمجلس الشورى المعين  

نعيد عرض مقالة سابقة نشرت في جريدة الشرق

5 يونيو 2013


من الأمور التي يثيرها البعض في معرض خشيته من مجلس الشورى القطري المنتخب، تجربة مجلس الأمة الكويتي وحالة التأزيم السياسي المستمر والمتواصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، فيحاول تعسفاً تحميل البرلمان الكويتي مسؤولية بطء التنمية، لذا يدعو إلى عدم خوض تجربة مماثلة قد توصلنا إلى وضع مماثل.
ورغم أن هذا القول لا ينطلي إلا على البسطاء، إلا أن من الفائدة القيام بتفنيده. ذلك أن من يستحضر هنا التجربة الكويتية حسب رأينا إما أن تكون له مآرب أخرى، أو أنه لم يقرأ الدستور القطري، أو لم يدرك حقيقة تشكيل هذا المجلس، ولا حقيقة صلاحياته!، وهو أمر يجعل المقارنة بين المجلسين القطري والكويتي في غاية التباين!، فبشأن التشكيل على سبيل المثال، فإن مجلس الأمة الكويتي يتألف من أعضاء منتخبين عددهم خمسون عضواً، ومن الوزراء وهم أعضاء بحكم مناصبهم، ونسبة هؤلاء لا تشكل عائقاً أمام الوصول للأغلبية المطلوبة لاتخاذ القرارات المهمة كفرض تشريع ما، أو سحب الثقة من وزير ما. أما تشكيل مجلس الشورى القطري فيتألف من 45 عضواً ثلاثون منهم منتخبون وخمسة عشر يعينهم الأمير وهو من يملك إعفاءهم، وهذا الثلث المعين يشكل في الواقع العملي نسبة معرقلة لعمل مجلس الشورى إنْ لم تكن نسبة معيقة لدوره، لكون الأغلبية المطلوبة لاتخاذ القرارات المهمة هي أغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس!
والتباين في القوة بين المجلسين لا يقتصر على التشكيل فحسب بل يبرز كذلك في شأن صلاحيات كلٍ منهما! ففي الرقابة على أعمال الحكومة على سبيل المثال لا يمكن لمجلس الشورى القطري أن يستجوب رئيس مجلس الوزراء، ولا يمكنه أن يطلب عدم التعاون معه، في حين يتمكن مجلس الأمة الكويتي من ذلك. كما لا يُمكن، من جانب آخر، أن تثار مسألة استجواب أحد الوزراء إلا بموافقة ثلث أعضاء مجلس الشورى في الوضع القطري، بخلاف الوضع في الكويت إذ يستطيع أي عضو من أعضاء مجلس الأمة منفرداً أن يوجه استجواباً لأي وزير (انظر المادة "100" دستور الكويت). أما بشأن سحب الثقة من وزير ما فلا يمكن في قطر أن يتم ذلك إلا بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الشورى أي ثلاثون عضواً، وهي أغلبية شبه مستحيلة التحقق في الواقع العملي لوجود الثلث المعين، في حين أن الأغلبية المطلوبة لسحب الثقة من أي وزير في الحالة الكويتية هي أغلبية الأعضاء المنتخبين أي أن الأعضاء بحكم مناصبهم لا يشتركون في التصويت (انظر المادة "101" دستور الكويت) وهي بالتالي أغلبية يمكن أن تتحقق في الواقع العملي.

لذلك كله فإننا نقول لمن يثير الحالة الكويتية ويخشى أن يؤدي وجود المجلس القطري المنتخب إلى مصادمات وتأزيم سياسي ينعكس على التنمية: اطمئن فإن واضعي الدستور القطري قد كفوك العناء ونزعوا فتيل ما تخشاه.
ورغم محدودية دور مجلس الشورى المنتخب والمرتقب الذي أثرناه في الفقرات السابقة، فإن ذلك لا يعني إطلاقاً عدم المطالبة به أو عدم الحث على الدعوة لانتخاب أعضاءه. فهو بلا ريب أفضل من المجلس الحالي المعين إذ سيصبح للشعب دور في انتخاب ثلثي المجلس، وهؤلاء المنتخبون سيستمدون قوتهم في أداء عملهم من قوة الشعب، ولن يكونوا أسرى لمن عينهم. كما أن عضويتهم مؤقتة بأربع سنوات تجرى قبل انتهائها انتخابات جديدة قد تأتي بدماء جديدة، تحمل طموحات وأفكار ورؤى الزمن الجديد الذي انتخبوا فيه، وهو خلاف المجلس المعين الذي يبقى فيه العضو إلى أمد غير مسمى يتجمد فيه فكره وفاعليته وحماسه إن لم تكن حركته أيضاً. أما بشأن الصلاحيات الأخرى فإن المجلس المعين وبخلاف المجلس المنتخب، لا يملك حق الاستجواب أو حق سحب الثقة من أي وزير، كما لا يملك حق اقتراح القوانين، علاوة على أنه لا يملك إلا رؤية باب المشروعات الرئيسة العامة من مشروع الموازنة العامة. بالتالي يعتبر المجلس المرتقب أفضل، شيئاً ما، من المجلس المعين ويحقق غرض التدرج نحو امتلاك المجلس يوماً ما صلاحيات برلمانية أوسع. علاوة على أن إجراء الانتخابات والجو الذي تحيا فيه ودوريتها، وعلنية جلسات مجلس الشورى ووجود أعضاء منتخبين سوف ينعكس لا محالة إيجاباً على حرية التعبير وقد يحرك مياه الرقابة والشفافية الراكدة.
إن الذي يتخذ من الوضع الكويتي شماعةً يُعلق عليها رغبته في سد أي منفذ للمشاركة الشعبية ولو كان كخرم الإبرة، ويود تأجيل الدعوة لانتخابات مجلس الشورى يجب أن يدرك جيداً بأنه يضرب المصداقية في مقتل. ففي الأول من نوفمبر عام 2011 ألقى سمو الأمير خطابه السنوي في افتتاح دور انعقاد مجلس الشورى جاء فيه: "...إني أعلن من على منصة هذا المجلس أننا قررنا أن تجري انتخابات مجلس الشورى في النصف الثاني من العام 2013. نحن نعلم أن هذه الخطوات كلها خطوات ضرورية لبناء دولة قطر الحديثة والإنسان القطري القادر على خوض تحديات العصر وبناء الوطن. ونحن على ثقة أنكم ستكونون على قدر المسؤولية".
إن الدعوة لإبقاء الحال على ما هو عليه وعدم الثقة بالشعب لا شك بأنه يخالف قناعات سمو الأمير التي عبر عنها في هذا الخطاب، وفي خطابات عديدة ذكرنا بعضها في المقال السابق، ونذكر هنا كلمة سموه قبل أيام قليلة مضت في افتتاح منتدى الدوحة ومؤتمر إثراء المستقبل بتاريخ (20 مايو 2013) والتي جاء فيها: "...إنني على يقين بأن من يرفض الإصلاح والتغيير ولا يستوعب حقائق العصر ومتطلبات المجتمعات الحديثة سوف تغيره ضرورات التاريخ ومسيرة الزمن...".، وكأن كلمة سموه جاءت رداً على هؤلاء.
ومن جانب آخر لا يمكن أن يكون عدم استكمال التشريعات الخاصة بمجلس الشورى سبباً في تأخر إجراء الانتخابات إلى الآن. ذلك أن الصحف المحلية زفت لنا قبل عام من الآن وبالتحديد في تاريخ 7 يونيو 2012 موافقة مجلس الوزراء الموقر في اجتماعه الأسبوعي على اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستصدار مشروع قانون بنظام انتخاب أعضاء مجلس الشورى، بعد أن وافق مجلس الشورى عليه قبل أربع سنوات من تاريخ رفعه إليه! (أي بتاريخ 19 مايو 2008) في هذا الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء المنعقد بتاريخ 6 يونيو 2012 تمت الموافقة أيضاً على مشروع مرسوم بتحديد الدوائر الانتخابية لمجلس الشورى وبيان مناطق كل دائرة وعدد الأعضاء الذين يتم انتخابهم عن كل منها، والموافقة على مشروع قرار أميري بشأن إنشاء وتشكيل لجنة تحديد العنوان الدائم للناخب وتحديد اختصاصاتها والإجراءات التي تتبع أمامها، وأخيراً الموافقة على مشروع قرار وزير الداخلية بنظام الاقتراع بسفارات الدولة بالخارج لانتخاب أعضاء مجلس الشورى. جميع مشروعات الأدوات التشريعية السابقة والمرتبطة بانتخابات مجلس الشورى قد استكملت وأعلن عن الموافقة عليها قبل عام من الآن فلم تبق حجة أو سبباً لتأجيل الانتخابات أو للتمديد للمجلس المعين!
والله من وراء القصد. 

الاثنين، 7 ديسمبر 2015

المدخل لدراسة القانون الدستوري القطري للدكتور حسن السيد

يحاول الكاتب الإجابة على العديد من الأسئلة الدستورية:
هل وضع الدستور القطري بأسلوب ديمقراطي؟
هل تصنف قطر ضمن الملكيات الدستورية ؟
كيف يتم اختيار ولي العهد، وما هي إجراءات تنصيبه أميراً للبلاد؟
ما هي اختصاصات الأمير في مواجهة السلطات الأخرى؟
هل مجلس الشورى القطري يعكس مفهوم البرلمان حقيقة؟
كيف يتم اعداد وسن القانون في دولة قطر؟
هل هناك محكمة دستورية في دولة قطر؟
الكتاب متوفر في ركن جامعة قطر بمعرض الدوحة الدولي للكتاب 2 - 12 ديسمبر 2015


الاثنين، 16 مارس 2015

المحكمة الدستورية وشرط المواطنة


 المحكمة الدستورية وشرط المواطنة
الشرق 17 مارس 2015

 
إن اشتراط المواطنة فيمن يتقلد القضاء عموماً، عنصر هام للغاية لتفعيل مبدأ استقلال القضاء وعدم التأثير على القضاة. فغير المواطن في الغالب لم يترك بلده إلا للحاجة ولتحسين وضعه المعيشي، وهو مرتبط بالدولة التي أتى للعمل فيها بعقد مؤقت، وللتأثير عليه قد يُغرى بالتمديد، وقد يهدد بعدم التجديد. هذا من جانب، ومن جانب آخر، إن كان القضاء يشكل في العموم مظهراً من مظاهر السيادة للدولة، فإن القضاء الدستوري ذروة سنام النظام القضائي والتصاقه بالسيادة أعمق وإحاطته بها أوسع، إذ تعرض عليه تشريعات الدولة فتبطل لعدم دستوريتها أو تستمر لتوافقها مع دستور الدولة.
وقد تكون إحالة التشريع ناجمة عن خلاف بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وقد يكون موضوع النزاع متعلقاً بنظام الحكم، أو بحقوق المواطنين أو حرياتهم أو باختصاصات سلطة من السلطات العامة، وهي أمور في المجمل مرتبطة بالسيادة.
لذا تذهب العديد من الدساتير إلى النص صراحة في صلب الدستور على اشتراط المواطنة فيمن يتم اختياره لعضوية المحكمة الدستورية، فالمادة (174)/1 من دستور جنوب إفريقيا لعام 1996 تنص على أنه يجب "أن يكون الشخص المعين في المحكمة الدستورية من مواطني جنوب إفريقيا..".. والمادة (119) من دستور الاتحاد الروسي لعام 1993 تنص على أنه "يجب أن يكون القضاة من مواطني الاتحاد الروسي" وهو يسري على جميع القضاة فيها ومنهم قضاة المحكمة الدستورية.
ولأهمية هذا المنصب لا تكتفي بعض الدساتير باشتراط المواطنة فحسب، بل تؤكد على ألا يحمل القاضي في المحكمة الدستورية جنسية دولة أخرى، فالمادة (152) من الدستور السوري لعام 2012، على سبيل المثال، تنص على أنه "لا يجوز لمن يحمل جنسية أخرى، إضافة إلى الجنسية العربية السورية أن يتولى مناصب رئيس الجمهورية أو نائبه أو رئيس مجلس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو عضوية مجلس الشعب أو عضوية المحكمة الدستورية العليا". والمادة (61) من الدستور الأردني لعام 1952 تنص على أن يشترط في عضو المحكمة الدستورية أن يكون أردنياً، ولا يحمل جنسية دولة أخرى.
بل نجد من الدساتير ما لا يكتفي باشتراط المواطنة أو عدم ازدواج الجنسية لتولي منصب القضاء في المحكمة الدستورية، بل يؤكد أيضاً أن تكون هذه الجنسية التي يحملها المواطن هي بصفةٍ أصلية أو أن يكون الشخص مواطناً ولد على أرض الوطن، أو أن يتمتع بالحقوق السياسية كحق الترشيح وحق الانتخاب وهو أمر تقره الدول للمواطنين بصفة أصلية. ففي دستور كولومبيا لعام 1991، على سبيل المثال، تنص المادة (147) منه على أنه كي يكون الشخص قاضياً في المحكمة الدستورية أو محكمة العدل العليا أو مجلس الدولة ينبغي "أن يكون كولومبياً بالولادة".. وفي الإكوادور تنص المادة (433) من دستورها لسنة 2008 بأن يكون من يتم تعيينه عضواً في المحكمة الدستورية مواطناً إكوادورياً متمتعاً بحقوقه السياسية.
وفي مقابل هذا التوجه نجد دساتير دول أخرى لم تنص صراحة على شرط الجنسية فيمن يتم اختياره عضواً في المحكمة الدستورية، إذ قد يكون هذا الشرط من الشروط التقليدية البديهية التي يؤكد عليها القانون العادي في بعض الدول فيمن يتولى منصب القضاء لكونه من الوظائف السيادية التي لا يتقلدها إلا المواطنون. أو قد يجيز القانون استثناءً أن يتقلد هذا المنصب قضاة أو قانونيون مؤهلون من جنسيات أخرى بسبب قلة عدد سكان الدولة وعدم توافر المؤهلين من أبنائها.
ومن أمثلة الدول التي لم تنص دساتيرها صراحة على شرط الجنسية في عضو المحكمة الدستورية دستور دولة الكويت الذي ترك تقرير اشتراطه من عدمه للمشرع العادي، فلما صدر قانون إنشاء المحكمة الدستورية قصر العضوية فيها على الكويتيين من مستشاري محكمة التمييز ومحكمة الاستئناف. وقد قيل في تبرير اشتراط المشرع الكويتي للعنصر الوطني في العضوية، بأنه قد روعي في تشكيل المحكمة الدستورية الجانب السياسي في مهمتها، والأصداء السياسية التي قد تترتب على أحكامها.
وفي دولة قطر ترك المشرع شرط الجنسية للقواعد العامة، فوفقاً لها يجوز عند عدم توافر شروط العضوية في المواطن القطري أن يكون من يتولى القضاء من مواطني الدول العربية، وقد يبرر ذلك برغبة المشرع في عدم التضييق من دائرة الاختيار. كما قد يبرر عدم اشتراط الجنسية القطرية في عضو المحكمة الدستورية بأن فيه إفساحاً لأن تضم هذه الأخيرة بعض ذوي الخبرة في المنازعات الدستورية من مواطني الدول التي سبقت دولة قطر في إنشاء القضاء الدستوري. فمتى ترى المحكمة الدستورية القطرية النور؟ هذا والله من وراء القصد.

 

الاثنين، 19 يناير 2015

أوروبا وإحياء الكراهية من جديد

 

أوروبا وإحياء الكراهية من جديد                          

20 - 1- 2015
جريدة الشرق القطرية

أراقت فرنسا وأوروبا سيولاً جارفة من دماء أبنائها، وعرفت سجونها المخيفة والمظلمة والباردة والنتنة أقسى جرائم التعذيب بشاعة، وشهدت حدود أقاليمها مئات الألوف من المشردين والمهجرين، كان جُل ذلك بسبب عدم قبول الآخر المختلف في معتقده الديني والمذهبي، لذا أدركت وهي تبني نهضتها بأنه لا حياة للحقوق والحريات إلا في بيئة الإخاء والتسامح وقبول الآخر واحترام المعتقدات وحماية الأقليات والمساواة وعدم التمييز. وأن هذه مرتكزات أساسية للدولة والنهوض بها، فأعدمت بذلك الكراهية.
وأكدت فرنسا في المادة الأولى والثانية من دستورها بأنها "تكفل المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون، دون تمييز في الأصل أو العرق أو الدين، وتحترم جميع المعتقدات"، وأن شعار الجمهورية الفرنسية هو: (الحرية، المساواة، الإخاء).
لذا ينبغي ألا تصطدم ممارسة الحريات بالمرتكزات الأساسية للمجتمع وإلا تحول اختلاف مشارب ومذاهب المواطنين من أطياف منسجمة جميلة إلى خنادق نارية ومسارات ملغومة.
أهمية هذا التوازن بين ممارسة الحرية وبين الحفاظ على النسيج الوطني أدركه المواطن الفرنسي منذ عام 1789عندما وضع إعلان حقوق الإنسان والمواطن ولا يزال متمسكًا به بالرغم من مرور مائتي عام عليه، وقد أكد على هذا التمسك في ديباجة دستوره الحالي. إذ وضح هذا الإعلان أن "القانون هو إرادة الجمهور ووظيفته ضمان مساواة الحقوق ومنع ما فيه ضرر للهيئة الاجتماعية".
إن ما تناقلته الصحف الأمريكية بالأمس من أن أوروبا تشن حملات على الحريات بتوسيع دائرة الاعتقالات والسعي لصياغة مشروعات قوانين لمراقبة المواطنين وتوسع الجرائم التي تؤدي إلى تجريدهم من جنسيتهم ما هي إلا إجراءات قد تساهم في التخفيف من آثار المشكلة دون معالجة المشكلة ذاتها، ولكنها في المقابل قد تساهم في احتضان الكراهية إن مورست بعشوائية أو انتقائية.
إن ما سبق ليس تبريرًا لمن قاموا بقتل صحفيي أو رسامي كاريكاتير مجلة "شارلي إيبدو" الساخرة، لعدم احترام هذه المجلة للمعتقدات كما نص الدستور، وعدم تجنب ما يهز كيان المجتمع أو ينشر بذور الكراهية بين أطيافه. فمن قام بالحدث لا يمثلني كمسلم، والانتقام وأخذ الحقوق باليد وتنفيذ عقوبات عشوائية غير صادرة عن محاكمة رسمية عادلة لا يمكن أن يبرره أي منطق كان، وهو مَنْفذ لردود فعل أكبر ضد المسلمين ومستنقع يصطاد فيه كل من يريد أن يفتري على الإسلام ويشكك في قيمه السامية.
فرنسا التي كتب أبناؤها إعلان الحقوق بدمائهم، أسالت الدماء ذاتها كي ترسخ دولة المؤسسات والقانون، لذا الرد على نشر الرسوم المسيئة لنبي الرحمة، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، بالرغم من فداحته، يكون بالسير في القنوات الشرعية للمجتمع، كتكوين رأي عام يتفهم خطورة إحياء الكراهية وتكوين رأي في البرلمان يتبنى مقترح قانون يجرم الإساءة للأنبياء، ويساهم في التعايش السلمي، فعندما تبنت العديد من الدول الغربية قوانين تجرم معاداة السامية فإن هذا الأمر تحقق من خلال خوض اليهود للقنوات الشرعية التي جعلت المقترح، بالرغم من تقييده لحرية التعبير، تشريعًا واقعًا تحترمه السلطات. هذا، والله من وراء القصد.

المباغتة في إصدار تشريعات الحقوق وحق المعارضة في إيقافها

المباغتة في إصدار تشريعات الحقوق وحق المعارضة في إيقافها

الثلاثاء 06-01-2015 01:51
قبل أيام معدودة قامت المحكمة العليا في كينيا بتعليق ثماني مواد من قانون الأمن الوطني الجديد مؤقتًا حتى تنظر في الالتماسات المقدمة من المعارضة بشأن انتهاك هذه المواد للحريات العامة.
والمواد التي أثارت المعارضة وترى فيها انتهاكًا خطيرًا للدستور وأنها تحول كينيا من دولة مؤسسات وقانون إلى دولة بوليسية، تتمثل في تلك التي تطيل فترة احتجاز المشتبه بهم في أعمال إرهابية لمدة تصل إلى سنة دون توجيه تهمة إليهم، وتلك التي تسهل مراقبة الاتصالات وتفرض عقوبة بالسجن لنشر مقال يمكن أن يؤثر في سير عملية التحقيقات. كما أن من المواد التي تم تعليقها تلك التي تفرض عقوبات قاسية لكل من وجد معه سلاحٌ في دار للعبادة ويدان في جريمة إرهاب، وتلك التي تعرض أصحاب المباني والمؤسسات أو المسؤولين عن الأماكن العامة لعقوبات صارمة إن فشلوا في منع دخول الأسلحة لهذه الأماكن.
القانون الجديد تمت الموافقة والتصديق عليه في فترة تقل عن أسبوعين، ولم يمنح لأعضاء البرلمان ولا للرأي العام وقتٌ كافٍ لمناقشته. وإمكانية الحكومة الاستعجال في إصدار التشريع في فترة قياسية أو المباغتة في إصداره، قد يعد "تكتيكًا" من قبلها لتمرير بعض التشريعات التي قد تواجه معارضة شديدة تمنع صدورها لو تم التمهل بها، ويزداد الأمر سوءًا إن كان التشريع يتعلق بتنظيم ممارسة حق من الحقوق. وهو أمر يجب أن ينتبه له المشرع الدستوري، فينص على منع الاستعجال في إصدار التشريعات الأساسية ذات العلاقة بالحريات العامة. فالدستور التونسي الجديد (2014) على سبيل المثال، أكد أن الحريات وحقوق الإنسان تصدر في شكل قانون أساسي، وبين أن مشروع القانون الأساسي لا يعرض على مداولة الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب إلا بعد مضي خمسة عشر يومًا من إحالته على اللجنة المختصة.
إن إمكانية اللجوء إلى المحكمة العليا مباشرة لإبطال قانون صدر بسبب انتهاكه للحقوق والحريات العامة، دون أن تكون هناك قضية معروضة في المحكمة الدنيا يعد ضمانة مهمة جدًا في منع انحراف المشرع عند تنظيمه لهذه الحقوق. فالفقرة 3/ب من المادة (165) من الدستور الكيني لعام 2010 تجعل من صلاحية المحكمة العليا البت فيما إذا كان قد تم الحرمان من حق أو حرية أساسية أو تعرض أي منهما للانتهاك أو التعدي أو التهديد.
إن مما يضعف من فاعلية الحماية التي توفرها المحاكم العليا أو الدستورية للحريات في بعض الدول هو جعل اللجوء المباشر لهذه المحاكم يكون فقط للسلطات التي أسهمت أصلًا في وضع التشريع، أو تجعل لجوء البرلمان إليها يكون بقرار يصدر من أغلبية أعضاء البرلمان مما يحرم المعارضة لكونها لن تتمكن من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة. كما أن في كثير من دولنا العربية ليس للأفراد حق اللجوء لهذه المحاكم إلا من خلال أسلوب الدفع الفرعي.
أي يجب أن تكون هناك دعوى منظورة في محكمة دنيا، ويدفع الشخص أمام قاضيها بأن القانون الذي سوف يطبق عليه غير دستوري، وحينها إن وجد القاضي جدية ما دَفع به يمنحه فرصة اللجوء إلى المحكمة الدستورية لتنظر في أمره. ولا شك أن الأمر يزداد سوءًا إن كان اللجوء إلى المحكمة الدنيا من الأساس محظورًا والباب مغلقًا بسبب تحصين المشرع لبعض القرارات واستثنائها من نظر القضاء.
والله من وراء القصد.

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

ضمانات منع انحراف القانون عند تنظيمه للحقوق

تخصص الدساتير في الغالب باباً ضمن أبوابها للحقوق والحريات العامة، فالدستور القطري، على سبيل المثال، خصص الباب الثالث منه للحقوق والواجبات العامة، والدستور البرازيلي أطلق على الباب الثاني منه مسمى "الحقوق والضمانات الأساسية"، ودستور جنوب إفريقيا ضمن الحقوق الباب الثاني الذي عنونه بـ"وثيقة الحقوق".
ووجود هذه الحقوق ضمن الدستور الذي هو أسمى وأعلى وثيقة تشريعية في النظام القانوني لكل دولة، يدل على أهمية هذه الحقوق لدى شعب وحكومة هذه الدولة. ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا صحيحاً، إذ تبقى مواد الدستور مجرد حبر على ورق في دولة اللاقانون ودولة اللاحرية.
وتؤكد الدساتير في الغالب على كفالة الحريات وترسيخ المبادئ الجوهرية بصياغة محكمة دون الاسترسال أو الخوض في التفصيلات الدقيقة التي تتركها لأدوات تشريعية أدنى منها، كالقانون كي ينظمها. وهنا تكمن المشكلة، إذ قد ينحرف المشرع العادي عند تنظيمه الحق، فيقيده بدلاً من أن ينظمه، ويخرج عن تلبية قصد المشرع الدستوري إلى تلبية قصد السلطة الحاكمة.
لذا نجد بعض الدساتير قد أدرك هذه المشكلة، فنراه يحيط كفالة الحق قدر الإمكان بالضمانات الضرورية دون ترك تفصيلاته الجوهرية للقانون، فالدستور المصري الجديد على سبيل المثال لم يذهب في كفالته لحرية الصحافة إلى ما ذهب إليه بعض الدساتير بتقرير حكم موجز بسيط لا يتعدى السطر الواحد ينص على أن "حرية الصحافة مكفولة وفقا لأحكام القانون"، بل على خلاف ذلك جاءت مواد الدستور المصري بصياغة أشمل وبضمانات أوسع تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني، وتقرر أن للمصريين من أشخاص طبيعية واعتبارية، عامة وخاصة حق ملكية وإصدار الصحف وإنشاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائط الإعلام الرقمي. وأن الصحف تصدر بمجرد الإخطار. وأنه يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها، لكن يجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب والتعبئة العامة فقط. وأنه لا يجوز إيقاع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون. وأن الدولة تلتزم بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام.
كما نجد بعض الدساتير في سبيل منع القانون من الانحراف عند تنظيمه للحقوق يضع بعض المبادئ الجوهرية التي يجب أن يلتزم بها المشرع العادي، فدستور تونس الجديد (2014) ينص مثلاً على ألا توضع الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات العامة إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها، وأن تتكفل الهيئات القضائية بحماية الحقوق والحريات من أي انتهاك، وأن أي تعديل يجب ألا ينال من مكتسبات حقوق الإنسان وحرياته المضمونة في الدستور.
وهذان مثالان قد يساهمان في منع القانون من الانحراف عن قصد المشرع الدستوري عند تنظيمه للحقوق، ولا شك أن الضمانة الأكبر هي أن يوضع القانون من قبل ممثلي الشعب ليكون معبراً عن ضمير المجتمع، وهو أمر يفتقده القانون في الدول ذات المجالس المعينة.
والله من وراء القصد.