الخميس، 1 مارس، 2012

الاستفتاء كأسلوب لشرعنة الاستبداد

الاستفتاء كأسلوب لشرعنة الاستبداد
2012-02-28


يعد الاستفتاء أحد وسائل الديمقراطية شبه المباشرة حيث يتم الرجوع إلى الشعب لأخذ رأيه في موضوع عام أو قضية هامة كاعتماد دستور للدولة أو الموافقة على تعديل بعض نصوصه أو للانضمام إلى اتفاقية معينة، أو انفصال إقليم ما عن الدولة، أو حصول إقليم على استقلال ذاتي، وهكذا.
والرجوع إلى الشعب لأخذ رأيه في قضية ما هو تأكيد على مبدأ سيادة الشعب لذا يفترض ابتداءً أن يمارس الاستفتاء في دولة يكون الشعب فيها مصدر السلطات، ويتداول فيها الحكم والوصول إلى مؤسسات صنع القرار السياسي سلمياً ودورياً عبر آلية الانتخابات الحرة والنزيهة. فالاستفتاء لا يمكن أن يكون فعالاً أو منتجاً في دول ذات أنظمة ملكية مطلقة، أو في أنظمة دكتاتورية انتزعت الحكم من الشعب بالغلبة والقهر.
وفي أنظمتنا العربية الملكية أو الدكتاتورية تجرى الاستفتاءات في الغالب إما لاختيار رئيس الجمهورية أو للتمديد لفترة رئاسته ومنحه ولاية جديدة أو لاعتماد مشروع دستور جديد أو تعديل مواد دستور قائم. وفي جميع الحالات أي سواء ارتبط الاستفتاء بالدستور أو باختيار الرئيس أو التجديد له، فإن الأمر في جوهره لا يخرج عن كونه وسيله لتعميق الاستبداد والانفراد بالسلطة. ففي جمهورية مصر العربية على سبيل المثال جدد للرئيس السابق حسني مبارك لولاية جديدة في استفتاء 1987، ثم جدد له ثانية في استفتاء 1993، ثم جدد له لولاية ثالثة في عام 1999، ثم للمرة الرابعة عام 2005، ولولا الثورة التي اضطرته للتنحي عن الحكم لظل متشبثاً به ولأسفر الاستفتاء عن التجديد له لولاية خامسة في 2011. كما أن الاستفتاءات التي تمت في مصر عام 2005 وعام 2007 لتعديل أكثر من 34 مادة دستورية ومنها المادة (76) كان الهدف منها استمرار حكم مبارك وتوريثه لنجله جمال كما يذهب الكثير من المعنيين.
وبعيداً عن الاستفتاءات الخاصة بالرئاسة أو بتمديد الولاية والتي يفترض إلا تقام في حقيقة الأمر إلا عبر انتخابات حرة ونزيهة، تتصف بالمساواة في حق الترشح للرئاسة بين المواطنين دون تحديد شروط إقصائية أو مفصلة لتناسب شخصاً بعينه. فإن الاستفتاء على مشروع دستور أو تعديل بعض مواد الدستور لا يقل عنه خطورةً ولا يخلو من الانتقاد، لاسيَّما إن كان المشروع المستفتي عليه قد وضع عن طريق لجنة معينة من قبل الحاكم كما كان حال مشروع الدستور السوري 2012، ومشروع تعديل مواد الدستوري المغربي 2011 ومشروع الدستوري القطري 2003.
وتكمن خطورة الاستفتاء في أن نتيجته تعتمد على من قام بالتصويت فعلاً. فلو صوت على سبيل المثال مائة ألف وقاطع مليون مواطن الاستفتاء لعدم ثقتهم بالنظام، فيعتد بالاستفتاء رغم كونه لا يشكل في حقيقة الأمر إرادة الشعب. ولم يسجل التاريخ يوماً بأن هناك استفتاءً في الوطن العربي على الرئاسة أو على دستور أسفر عن نتيجة مغايرة لرغبة الحكام.
ونرى لكي يكون الاستفتاء على مشروع دستور مثمراً أن يبنى على عدة أسس: منها: أن يوضع مشروع الدستور ابتداءً من خلال مجلس تأسيسي أو جمعية تأسيسية منتخبة بانتخابات حرة ونزيهة ومحاطة بكافة ضمانات عدم تزييف إرادة الشعب. ومنها: أن يتاح للشعب معرفة ما يدار في اجتماعات الجمعية التأسيسية من مناقشات فتكون الجلسات علنية ويتاح للصحف والإعلام نشر ما يجرى بين الأعضاء بشأن مشروع الدستور. ثم بعد أن يتم إنجاز مشروع الدستور أن تتاح للمواطنين فرصة كافية لفهم محتواه قبل إجراء الاستفتاء عليه. ثم إن تُكفل الممارسة الفعلية لحرية التعبير وحرية الاجتماعات العامة وحرية الإعلام وحرية التنظيم في هذه الدولة، وهذه حريات اساسية لتناول مشروع الدستور بموضوعية فيكوّن المواطن رأيه ويبلور فكره بشأنه وهو ذاهب إلى مقر الاستفتاء. ثم إن يكون الإعلام الرسمي بعيداً عن الاستفتاء، فلا يوجه المواطنين إلى تأييد مشروع الدستور، أو إلى رفضه، وإن كانت هناك برامج بشأنه فيجب أن تكون موضوعية ومحايدة. وأخيراً: يجب ضمان استقلالية اللجنة المشرفة على الاستفتاء، وأن يتسم إشرافها وإدارتها للاستفتاء في جميع مراحله بالحياد والشفافية والمساواة.
ونرى أنه من دون هذه الأسس فإن الاستفتاء يكون مجرد وسيلة في أيدي الطغاة لإضفاء شرعية زائفة لطغيانهم واستبدادهم. والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

الثلاثاء، 21 فبراير، 2012

سوريا: نظرات على مشروع دستور ساقط شعبياً!

سوريا: نظرات على مشروع دستور ساقط شعبياً!
2012-02-21


أصدر الرئيس السوري بشار الأسد يوم الأربعاء الماضي مرسوماً يدعو فيه المواطنين السوريين للاستفتاء على مشروع الدستور الجديد يوم الأحد القادم 26 فبراير. وقد كان الأسد كلف في شهر أكتوبر من العام المنصرم لجنة معينة من قبله لوضع مشروع جديد للدستور كمحاولة منه لإعادة السيطرة على الأوضاع واحتواء ثورة الشعب الثائر في وجه طغيانه واستبداده هو ووالده من قبله وحزبه وتشبثهم بمقاليد الحكم لأكثر من أربعة عقود من الزمان، واعداً بالمزيد من الإصلاحات وأن الدستور الجديد سوف يلبي تطلعات الشعب نحو المزيد من الحريات.
وأخيراً كُشف عن مشروع الدستور الموعود، فقد نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا). فهل حقاً جاء بالمزيد من الإصلاحات كما توحي بعض مواده؟ مثل المادة الثانية التي تؤكد على أن "السيادة للشعب، لا يجوز لفرد أو جماعة ادعاؤها"، وأنها "تقوم على مبدأ حكم الشعب بالشعب وللشعب". والمادة (50) منه التي تذهب إلى أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، والمادة الثامنة التي تبين أن النظام السياسي في الدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية وتتم ممارسة السلطة فيها ديمقراطياً عبر الاقتراع. بالطبع الإجابة تتمثل في النفي! فهذا الغلاف الوردي الناعم يبطن في حقيقة الأمر جحيم الطغيان والاستبداد. وقراءة واحدة لبقية مواد الدستور تكشف لنا مدى زيفها.
وفي حوار عميق مع المحامي السوري الأستاذ وليد الحسين تناولنا بعض جوانب هذا المشروع الزائف منها: ما حددتها المادة (84) من مشروع الدستور من شروط فيمن يرشح نفسه لمنصب الرئيس، ونقول لو طبقت هذه الشروط على بشار الأسد في تلك الأثناء عند وراثته الحكم عن أبيه لما توافرت فيه! (لاحظ أن النظام في سوريا جمهوري وليس ملكيا!)، فقد تم في وقتها "تضبيط" الدستور وتقصيره وتفصيله في "خياط" مجلس الشعب لينسجم شرط السن مع عمر الوريث الجديد! كما أن بشار لم يكن حينها مستوفياً شرط أن يكون مقيماً لمدة عشر سنوات إقامة دائمة متصلة في سوريا كما يشترطه المشروع اليوم فقد كان يتابع تخصصه في لندن حتى 1994، كما تدل سيرته الشخصية. علاوة على أن أسماء الأخرس زوجة بشار، وكما هو معروف، كانت تحمل الجنسية البريطانية ومازالت! مما قد يتعارض مع شرط أن يكون الرئيس متزوجاً من سورية!
أما النقطة الأخرى فتتعلق بتوقيت مدة الرئاسة، إذ إن تقرير مشروع الدستور السوري بصوت عال أنه "لا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية"، أمرٌ يجب ألا يخدعنا وهو كذلك لا يدعو للتفاؤل مطلقاً إذ إن الواقع كشف لنا مراراً أن الجمهوريات العربية سرعان ما تعدل دساتيرها قبل انقضاء مدة الرئاسة ليحكم الرئيس مدى الحياة. ورغم ذلك، فإن مشروع الدستور السوري جاء بعد تأكيده على توقيت مدة الرئاسة بنصٍ مضحك للغاية يتمثل في المادة (87) التي تذهب إلى أنه في حال انتهاء "ولاية رئيس الجمهورية ولم يتم انتخاب رئيس جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه حتى انتخاب الرئيس الجديد"! وفي نص آخر مضحك أيضاً يذهب المشروع إلى أنه "إذا حُلّ مجلس الشعب خلال الفترة المحددة لانتخاب رئيس جمهورية جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه..". وطبعاً من يختص بحل مجلس الشعب هو رئيس الجمهورية ذاته!
نقطة أخرى تثير العجب من مدى إمعان واضعي الدستور في الضحك على الذقون، تتعلق بسلطة التشريع، فالمادة (113) من مشروع الدستور تمنح رئيس الجمهورية هذه السلطة ليس خارج فترات انعقاد مجلس الشعب أو حله فحسب، بل أيضاً أثناء انعقاد مجلس الشعب إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك!، وطبعاً الرئيس هو من يقدر الضرورة القصوى! وهذا أمرٌ في غاية الخطورة إذ إن رئيس الجمهورية يملك بذلك سلطة التشريع علاوة على امتلاكه لسلطة التنفيذ. بل إن مشروع الدستور لا يكتفي بمنح كلٍ من هاتين السلطتين للرئيس وتجميعهما في يده، بل يمعن في تكريس الاستبداد أكثر فأكثر فيجعل منه أيضاً رئيساً للمجلس الأعلى للقضاء ويجعله كذلك من يعين قضاة المحكمة الدستورية العليا التي يقدم لها طلبات الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية فتتفحصها وتستبعد منها من ترى أنه لم يستوف الشروط. فهل يوجد بعد ذلك استبداد وطغيان!
نستطيع من الآن أن نتوقع نتيجة الاستفتاء الذي سيجري يوم الأحد القادم. فسوف ينقل لنا الإعلام الرسمي بعده بقليل أن الشعب السوري بأغلبية تكاد تصل إلى الإجماع صوت مؤيداً لمشروع الدستور! فهكذا هي الاستفتاءات في الأنظمة التي تغيب عن جوها الحرية لا تكون إلا غطاء لشرعية زائفة لم تقرر لها أصلاً. والثورات لم تأت في حقيقة الأمر لتسقط شرعيتها بل لتكشف أنها أنظمة غير شرعية منذ نشأتها.

halsayed@qu.edu.qa

الثلاثاء، 17 يناير، 2012

نظرات على مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية

نظرات على مشروع قانون تنظيم الأنشطة الإعلامية
2012-01-17


بعد عدة مشروعات قوانين سمعنا عنها في سنوات سابقة، أتيحت لي فرصة الاطلاع على المشروع الأخير لقانون بتنظيم الأنشطة الإعلامية والذي وصل بعد اقتراحه من وزير الثقافة والفنون والتراث، إلى مجلس الوزراء ومنه إلى مجلس الشورى لأخذ رأيه فيه. وفي بادرة جميلة من مجلس الشورى تمت مقابلة بعض المعنيين كرؤساء تحرير الصحف العربية ورئيس المجلس الأعلى للاتصالات ليبدوا ملاحظاتهم عليه، ويستفيدوا من خبرات هؤلاء، تجنباً لكل ما يعد انتهاكاً لحرية الإعلام أو تقييداً للحريات الأساسية المكفولة دستورياً كحرية الرأي أو الصحافة أو الطباعة أو النشر.
ولي بعد الاطلاع السريع على مشروع القانون الملاحظات التالية:
أولاً: بينت المادة (6) من المشروع والمتعلقة بإجراءات تقديم طلب الحصول على الترخيص لأي من الأنشطة الإعلامية أن "تتولى الإدارة المختصة البت في طلب الترخيص خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تقديمه، وإخطار صاحب الشأن بذلك، بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول. وإذا صدر القرار بالرفض وجب أن يكون مسبباً، ويعتبر انقضاء هذه المدة دون رد رفضاً ضمنياً للطلب".
ولا شك بأن تسبب القرار الرافض لطلب الترخيص أمر في غاية الأهمية ويدل على أن الأصل في الأمر ممارسة الحق والتمكين منه، وأن دور الإدارة هو تنظيمي بحت، وإن عليها بيان مبرراتها في حال رفض طلب ممارسة مثل هذا الحق، وبذلك تظهر جدية موقفها من عدمه. ولكن، للأسف، جاءت الجزئية التي اختتمت بها الفقرة والمتمثلة في "اعتبار انقضاء الفترة دون رد رفضاً"، لتناقض ما قبلها ولتذهب بكل قيمة حقيقية أرادها المشرع من التسيب.
فهل يعقل أن يشترط المشرع على الإدارة بيان أسباب الرفض من جانب، ثم يقول لها إن لم ترغبي ببيان الأسباب ما عليك إلا الانتظار حتى تمضي الفترة المخصصة وهي شهر فلا تتحملي حينها عناء إيجاد مبررات أو أسباب لرفضك!!
هذا النص المعيب سبق زجه في شأن حق دستوري آخر هو تكوين الجمعيات، فقد ورد للأسف في قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة في المادة (7) منه. وعليه يقترح عدم الأخذ بالجزء الأخير من الفقرة المشار إليها من مشروع القانون، واستبداله بما يأتي: "ويعتبر انقضاء هذه المدة دون رد موافقة ضمنية على الطلب".
ثانياً: جميلٌ ما ذهبت إليه الفقرة الأخيرة من المادة (6) من مشروع القانون والتي أتاحت لمن يُرفض طلبه الطعن أمام القضاء. ذلك أن المادة (3) من قانون الفصل في المنازعات الإدارية رقم (7) لسنة 2007 الساري حالياً للأسف الشديد أخرجت من اختصاص القضاء النظر في القرارات المتعلقة بقانون المطبوعات والنشر. ولا شك أن فيما ذهب إليه مشروع القانون تعزيز لحق التقاضي المكفول دستورياً. لذا نأمل على المشرع التمسك بهذه الفقرة بالنواجذ، ليس ذلك فحسب، بل أيضاً إعادة النظر في المادة (3) من قانون الفصل في المنازعات الإدارية وإلغاء الاستثناءات الواردة فيه حتى لا تحصن قرارات الإدارة وأعمالها دون رقابة القضاء، تكريساً لمبدأ المشروعية.
ثالثا: ورد في البند الرابع من المادة (5) من المشروع ذكر للتأمينات أو الضمانات المالية التي يشترط أن يقدمها طالب الترخيص، وتركت أمر تحديدها للائحة. كما ذكرت المادة (7) الرسوم الواجب أداؤها والتي تحددها اللائحة. هذه النصوص لا بأس بها، ولكن ما يخشى منه أن يُبالغ في قيمة التأمينات والضمانات المالية والرسوم بحيث تحول دون ممارسة هذا الحق. لذا يقترح إضافة أية عبارة تؤكد على مناسبة هذه التأمينات والرسوم وتمنع المبالغة فيها.
رابعاً: ورد في الفقرة الثانية من المادة (19) ما نصه "ولا يجوز أن يكون رأي الصحفي أو المعلومات الصحفية الصحيحة التي ينشرها سبباً للمساس به، كما لا يجوز إجباره على الإفصاح بمصادر معلوماته إلا بأمر من النيابة العامة أو المحكمة المختصة". هذا النص جميل ويكفل حق الصحفي في الاحتفاظ بمصادره وعدم الإفصاح عنها، ولكن الاستثناء الوارد عليه ينبغي إن يقتصر على "أمر المحكمة" دون النيابة العامة. فكل قاضي مستقل ولا سلطان عليه إلا القانون، أما أعضاء النيابة العامة فيخضعون في ممارسة اختصاصاتهم لإشراف رؤسائهم بحسب ترتيب وظائفهم" كما جاء في المادة (5) من قانون النيابة العامة، وصولاً إلى النائب العام، وفي ذلك ما يخشى منه، ومن أن تخرج هذا الضمانة من معناها، لذا نتمنى أن يرفع من الفقرة المذكورة الاستثناء الممنوح للنيابة العامة.
خامساً: وردت في المادة (53) من مشروع القانون جملة من محظورات النشر والبث، جاءت في سبع بنود، نرى إلغاء البنود الأربع الأولى منها والمتعلقة بشأن التحريض على قلب نظام الحكم وتعريض الأمن الداخلي والخارجي للخطر، وغيرها مما يمس الأديان أو الرؤساء، وذلك لسببين الأول: أن الكثير من الأحكام ذات الصلة وردت في قانون العقوبات أصلاً، والسبب الثاني أن السلوكيات المجرمة لم ترد في هذه المادة بشكل قطعي ودقيق، ففي بعضها من الفضفاضية ما يخشى أن يتوسع في استخدامه أو يساء استغلاله.
سادساً: أفرد مشروع القانون للعقوبات فصلاً كاملاً هو الفصل التاسع منه، ويلاحظ رغم عدم النص على عقوبة السجن وهو ما يحمد للمشروع الذهاب إليه، إلا أن العقوبات المالية أو (الغرامات) مبالغ فيها بشكل لا يصدق. فهي عوضاً عن أن تكون عقوبات رادعة عن الإتيان بالخطأ، تحولت إلى إرهاب يمنع الإنسان ممارسة الحق ذاته مخافة الوقوع دون قصد في المحظور، فيغرم بمثل تلك الغرامات الإرهابية. فعلى سبيل المثال تنص المادة (54) من مشروع القانون على العقوبة بالغرامة التي لا تزيد على (1.000.000) مليون ريال! ونقول على سبيل التهكم: إننا لو جمعنا الغرامات التي وردت في كل نصوص قانون العقوبات القطري والتي تتراوح في مجملها "بين خمسة عشر ألف وعشرة آلاف وخمسة آلاف" لما وصلت إلى ما قررته المادة (54) من مشروع القانون. لذا يقترح عدم الخروج عن الهدف الحقيقي من تقرير الغرامة. ولا شك بأن مثل هذه الغرامات تفتح باب السؤال عن مصير من لا يستطيع دفع مثل هذه المبالغ أن هو وقع في أحد المحظورات التي نص عليها القانون. هل سيسجن؟ فنعود بالتالي إلى ذات العقوبات التي عفا عليها الزمن وأدانتها الإنسانية جمعاء.
سابعاً: نصت المادة (64) من مشروع القانون على منح موظفي الإدارة صفة مأموري الضبط القضائي في ضبط وإثبات الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون. ونحن من جانبنا نرى عدم ملائمة هذا النص لعدة أسباب: منها أنه يمكن تحقيق الهدف وضبط المخالفات دون منح موظفي الإدارة هذه الصفة، ومنها إن مجرد النص على هذا الأمر في قانون معني بالإعلام ويؤكد على كفالة حرية الصحافة والطباعة والنشر والبث ويقرر أن وسائل الإعلام لا تخضع للرقابة، يذهب من قيمة كل الضمانات المقررة ويظهر وجه قطر للعالم بصورة غير جميلة. ومنها أن هذا النص سوف يكون حافزاً لموظفي الإدارة في المبالغة في رصد كل ما يشك فيه شأنه بأنه محظور! وفي ذلك خطورة ما بعدها خطورة لاسيَّما إذا كانت المحظورات غير محددة على وجه الدقة.
هذه مجرد نظرات على مشروع القانون، نتمنى أن يخرج بأحسن حلة، ويعزز حرية الإعلام. وهو بلا شك يحتاج للمزيد من الدراسة والتدقيق.
والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 9 يناير، 2012

2011 عام الدساتير العربية

2011 عام الدساتير العربية
2012-01-10


 لم يكن عام 2011 مؤججاً للثورات العربية ضد الأنظمة المستبدة والحكام الطغاة فحسب، بل كان أيضاً عام الدساتير العربية. فقد شهدت أغلب الدول العربية من سلطنة عمان شرقاً إلى المملكة المغربية غرباً إما تغييراً لهذه الدساتير أو تعديلاً لها.
ففي اليمن قبل الثورة، رفض نواب المعارضة المشاركة في جلسة 1 يناير 2011، احتجاجاً على التعديلات الدستورية التي كانت تمهد لإعادة انتخاب الرئيس علي عبدالله صالح مدى الحياة، واعتصموا أمام البرلمان رافعين لافتات كتب عليها "لا لإعادة الانتخاب، لا لتوريث السلطة"، إلا أن البرلمان الذي يسيطر عليه الحزب الحاكم أقر هذه التعديلات. ولكن، ما إن أصاب اليمن نسمات الربيع العربي حتى قدم الرئيس صالح؛ بعد أقل من ثلاثة شهور على إقرار البرلمان للتعديلات السابقة؛ مُقترحاً لامتصاص الغضب الشعبي في البلاد، يتمثل في وضع دستور جديد يُستفتى عليه قبل نهاية السنة، ويؤسس لنظام برلماني.
وفي مصر، وبعد نجاح ثورة 25 يناير 2011، طرح المجلس الأعلى للقوات المسلحة على الاستفتاء في 19 مارس، تعديلات دستورية صاغتها لجنة مختصة برئاسة طارق البشري، وتمت الموافقة عليها بنسبة تزيد على 77% من عدد المصوتين. وهدفت التعديلات إلى فتح الطريق لانتخابات تشريعية تليها انتخابات رئاسية، وذلك بتعديل بعض المواد كتلك المتعلقة بشروط المرشح لمنصب الرئاسة، والإشراف على العملية الانتخابية. كما شهدت مصر في هذه الظروف وثيقة المبادئ الأساسية للدستور التي طرحها "علي السلمي"، وانتقدها شق واسع من الأحزاب والساسة المصريين. كما عرفت مصر في 30 مارس 2011 الإعلان الدستوري الذي تبناه المجلس الأعلى للقوات المسلحة لينظم شؤون البلاد حتى العمل بالدستور الجديد الذي سيوضع بعد الانتخابات البرلمانية.
وفي الأردن شكل الملك عبدالله الثاني بن الحسين في أواخر أبريل لجنة برئاسة رئيس الوزراء الأسبق أحمد اللوزي للنظر في أي تعديلات محتملة لمواد الدستور، وقد خلصت هذه اللجنة إلى عدة تعديلات نالت أكثر من 40 مادة، والتي رأت الحكومة بأنها تعزز مبدأ الفصل بين السلطات وإعادة التوازن بينها، بينما رأت المعارضة بأنها تعديلات شكلية ومفرغة من مضمونها.
وفي ليبيا، وقبل سقوط نظام القذافي، أشار سيف الإسلام القذافي في منتصف شهر أبريل إلى دستور جديد لليبيا يحد من صلاحيات والده. وبعد سقوط نظام القذافي، أعلن عبدالرحيم الكيب رئيس الحكومة للفترة الانتقالية عن وضع دستور جديد للبلاد يحدد شكل الدولة.
وفي الجزائر، شهد شهر مايو 2011 نقاشات لتعديل الدستور شملت المواد المتعلقة بمدد الرئاسة، وعلاقة الرئيس بالحكومة، ودعم صلاحيات البرلمان، ومدى إمكانية إلغاء الغرفة البرلمانية الثانية. كما نقل خبر طلب الرئيس بوتفليقة من المجلس الدستوري تحضير مسودة قانون الحريات السياسية.
وفي السودان احتل السؤال عن دستور جديد الأولوية في الشارع السياسي بعد أن رأى البعض انتهاء صلاحية بعض مواد الدستور الحالي بانفصال الجنوب. وقد أكد الرئيس البشير في هذا الجانب أن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الرئيس للدستور القادم.
وفي المملكة المغربية تم الاستفتاء في يوليو 2011 على التعديلات التي نالت دستور 1996، حيث بادر الملك محمد الخامس على أعقاب تظاهرات حركة 20 فبراير إلى إنشاء لجنة لمراجعة الدستور لمنح المزيد من الصلاحيات لرئيس الحكومة والمزيد من الاختصاصات التشريعية للبرلمان وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي سوريا، وفي إطار جهوده المضنية لاحتواء ثورة الشعب، وإطلاع العالم الخارجي بأنه يسير في طريق الإصلاح، شكل الرئيس السوري بشار الأسد في منتصف أكتوبر لجنة كلفت بصياغة دستور جديد، بحيث تنتهي اللجنة من عملها في غضون أربعة أشهر.
وبعدها بأيام شهدت سلطنة عمان تعديلاً دستورياً نال العديد من مواد النظام الأساس للدولة لاسيَّما تلك المتعلقة بمجلس الشورى ومنحه حق إقرار مشاريع القوانين واستجواب وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بمهامهم ورفع نتيجة ذلك إلى السلطان.
أما تونس التي شهدت في أواخر أكتوبر انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، أقر هذا المجلس في 11 ديسمبر دستوراً مصغراً مؤقتاً للبلاد ينظم السلطات في البلاد مؤقتاً.
ومن موريتانيا، نقلت الصحف في أواخر العام الماضي خبر تعديلات دستورية مرتقبة تهدف إلى تقليص صلاحيات الرئيس وسيتم اعتمادها خلال اجتماع مشترك لغرفتي البرلمان.
وأخيراً، في البحرين وبعد أزمة شهدتها البلاد خلال عام 2011، أحالت الحكومة البحرينية مطلع هذا الأسبوع مشروع تعديل الدستور الذي يهدف إلى تعزيز دور السلطة التشريعية وإعطائها صلاحيات أوسع.
لا شك أن سقوط بعض هذه الدساتير، وتعديل نصوص البعض الآخر منها، مرتبط بشكل حتمي بغضب الشعوب العربية الذي شهده عام 2011. فهذه الثورات جاءت لتفك الشعوب المستعبدة من قيد الأنظمة الظالمة وتمنحها الحرية. فدستور العدالة لا يحيا إلا في بيئة الحرية. أما دساتير الأنظمة الفاسدة فهي إما نصوص نظرية لا تغادر مبادئها وحرياتها الورق الذي كتبت عليه، أو نصوص مستبدة ككاتبها، وضعت لتكرس الحكم المطلق وتكفل استمرار جوره وطغيانه. فبسقوط هذه الأنظمة سقطت دساتيرها الظالمة، وبسياط الرعب من السقوط خشيت أنظمة أخرى على أنفسها فأسقطت بعض المواد من دساتيرها واستبدلتها بمواد أخرى لعلها تتجنب ما حل بمثيلاتها.
والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 2 يناير، 2012

البرلمانات الطلابية

البرلمانات الطلابية
2012-01-03


في الأسبوع الماضي أتيحت لي فرصة رائعة للالتقاء بأعضاء البرلمانات الطلابية في قطر، وذلك أثناء محاضرة نظمتْها مدرسة عبدالرحمن بن جاسم الإعدادية المستقلة للبنين. كان عدد المدارس المشاركة سبع عشرة مدرسة وكان عدد الطلبة كبيراً، وهي المرة الأولى التي ألقي فيها محاضرة أمام طلبة لا تتجاوز أعمارهم سن الخامسة عشر. وخشيت من أسلوب المحاضرة والتي يكون المتحدث فيها شخص واحد هو المحاضر، يتحدث طوال الوقت والبقية منصتون وكأن على رؤوسهم الطير!، وهو ما يخالف جوهر مفهوم العمل البرلماني الذي يعتمد على الحوار والاستماع للطرف الآخر والمناقشة، لذا وحتى لا يغزو الملل نفوس الطلبة قبل أن يغزو الطير رؤوسهم، فضلت أن تعتمد محاضرتي على الحوار والاستماع للطرف الآخر مع تزويدهم ببعض المعلومات ذات العلاقة، وقد نجح الأسلوب واستطعت إشراك الطلبة معي في الحوار، كما تلهف للمشاركة المدرسون المرافقون وأعضاء مجلس أمناء المدرسة الذين شرفوني بحضورهم.
إن من الأهداف التي يطمح لها المجلس الأعلى للتعليم من وراء تفعيل البرلمان الطلابي: إشراك الطلبة في الممارسات الديمقراطية في المدرسة من خلال إتاحة الفرصة أمامهم لتبادل الآراء وعرض مشاكلهم المدرسية واقتراح الحلول المناسبة لها، وخلق قناة تواصل بين الطلبة والهيئة الإدارية والتدريسية، وتعزيز روح القيادة لدى أعضاء البرلمان الطلابي، وتعميق مبدأ الانتماء للمجتمع (أو المواطنة)، وخلق جيل قادر على تحمل المسؤولية، وتعويده على مهارات الإدارة والحوار والمناقشة واحترام الرأي الآخر.
وحتى لا تبقى هذه الأهداف في إطارها النظري ألزم المجلس الأعلى للتعليم مكتب المدارس المستقلة بمتابعة مدى تفعيل التوصيات من خلال المدرسة، وعقد اجتماعات مع رؤساء البرلمانات للتواصل معهم بصورة مباشرة، واستلام تقرير دوري من رئيس البرلمان بواقع مرة كل فصل دراسي عن سير العمل متضمناً التوصيات وما تم بشأنها.
من الأسئلة التي تم طرحها في هذا اللقاء: ما المقصود بالبرلمان، والبرلمان الطلابي على وجه الخصوص؟، وما هي اختصاصات وصلاحيات البرلمان عموماً؟ وهل هناك سقف للعمل البرلماني لا يتم تجاوزه؟ وإن كان يوجد فلماذا؟ ولماذا قاموا بترشيح أنفسهم للبرلمان الطلابي؟ وهل البرلمان الطلابي شكلي أم بالفعل حقق أهدافه؟ وكم توصية أو اقتراح تم تقديمه لإدارة المدرسة فقبلته واعتمدته؟ وهل استفادوا من تجربتهم؟ وهل سوف يرشحون أنفسهم في السنة القادمة؟ كما تم مناقشة الطلاب في برنامجهم الانتخابي والفعاليات التي قامت بها البرلمانات الطلابية في المدارس.
وقد قدم الطلبة لي بعض النماذج الإبداعية للأعمال التي قاموا بها، إذ كنت أخشى أن يقتصر دورهم فقط على المشاركة في تنظيم الاحتفالات والأنشطة غير الصفية! لكن ما عرضوه كان خارج هذا النطاق ويصب في تقديم حلول لبعض المشاكل المدرسية، أو الظواهر السلبية التي يتعرض لها من هم في أعمارهم، وتنظيم عملهم واستخدام وسائل لقياس نجاحهم في حل المشكلات.
انبهرت حقيقةً من جرأة شبابنا الصغار وثقتهم بأنفسهم وفصاحتهم ومبادرتهم في المشاركة والإجابة على الأسئلة ونقل تجاربهم، وعمق معلوماتهم بشأن العمل البرلماني.
خرجت من لقائنا هذا بإيمان عميق بأهمية هذه التجربة وأهمية دعمها وتعزيزها لخلق جيل رائع يؤمن بالمواطنة والحوار والمساواة والحرية، ويرفض الاستبداد والفساد ويؤمن بالمشاركة في اتخاذ القرار. فالمستقبل لهذا الجيل، وعندها "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون".
والله من وراء القصد

الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

راتب لكل ربة بيت

 
راتب لكل ربة بيت
نشر المقال في 23 نوفمبر 2011
د. حسن عبدالرحيم السيد 

يمنح بعض الدساتير حق اقتراح القوانين لأعضاء البرلمان، فيما يمنح بعضها الآخر هذا الحق لأعضاء البرلمان ولرجال الحكومة معاً، في حين تذهب دساتير أخرى إلى قصر اقتراح القوانين على الحكومات فقط. وفي الديمقراطيات المباشرة حيث يحكم كل الشعب نفسه بنفسه كمقاطعتي قلاريس وأزنبل في سويسرا فإن اقتراح القوانين حق لكل مواطن حيث يجتمع كل المواطنين مرة في السنة لاتخاذ القرارات السياسية التي تهمهم. وهناك صورة أخرى للديمقراطية يطلق عليها فقهاء الدستور "ديمقراطية شبه مباشرة"، يقوم من خلالها عدد معين من المواطنين يشكلون نسبة معينة من الشعب كعشرين بالمائة، مثلاً، باقتراح قانون معين يرفع إلى البرلمان ومن ثم يأخذ هذا الاقتراح مجراه عبر الإجراءات التشريعية المختلفة. 
ولما كان الاقتراح مجرد فكرة قد يصادف قبولاً من البرلمان أو الحكومة فيصاغ في قالب قانون ويُصدق ويصدر، أو قد لا يلقى قبولاً فيوأد ويذهب أدراج الرياح، فإنني أرى بأن من حق كل إنسان مواطن أو مقيم أن يقترح ما شاء الله له أن يقترح، لذا فإنني أقترح مشروع قانون يتمثل في: منح كل ربة بيت مخصصات مالية شهرية.
وأقترح أن يشترط في ربة البيت حتى تستفيد من هذه المخصصات ما يأتي:
- أن تكون قطرية الجنسية أو زوجة لشخص قطري الجنسية. 
- أن يكون لديها أبناء، سواء كانت العلاقة الزوجية مستمرة، أو كانت أرملة أو مطلقة.
- أن تكون حاصلة على الشهادة الثانوية على الأقل.
- ألا تكون لديها وظيفة في الحكومة أو عمل تتقاضى منه راتباً من أية جهة من الجهات.
- ألا تستلم معاشاً تقاعدياً.
- ألا تعمل في التجارة بشكل مباشر.
- ألا تكون لديها أكثر من خادمة واحدة.
واقترح أن تضاف إلى هذه المخصصات علاوات أخرى إذا أثبتت الأم تفوق أبنائها في الدراسة، أو مشاركتهم المستمرة في خدمة المجتمع أو العمل التطوعي أو حفظهم لأجزاء من كتاب الله أو أي أمر آخر يمكن إثباته ويعود بالنفع على الأسرة والمجتمع والوطن. 
إن تبني مثل هذا الاقتراح سوف يعني الاعتراف بعمل ربة البيت كوظيفة اجتماعية مقدسة كغيرها من الوظائف، وهي بلا شك وظيفة طبيعية تفرضها الفطرة الإنسانية على كل أم ولا تستوجب في الأصل المكافأة المادية عليها، ولكن في المقابل، فإن حاجة بعض الأسر إلى المال قد تدفع ربات البيوت إلى العمل وترك المنزل لفترة طويلة لاسيَّما هذه الأيام التي امتدت فيها ساعات الدوام اليومي في الكثير من الجهات إلى الثانية والنصف ظهراً ومع زحمة الشوارع فإنها قد لا تصل البيت إلا عند الثالثة في أفضل الأحوال، ناهيك عن امتداد التأثير النفسي للعمل حتى بعد ساعات الدوام الفعلية والرجوع إلى المنزل.
إن ترك الأم المنزل للعمل لا شك بأنه يشكل فراغاً وشاغراً لن يغطيه عوضاً عنها أحد مهما كان، ولما كان الكثير من الأمهات يرغبن في منح بيوتهن وأسرهن المزيد من الوقت، إلا أن الظروف المعيشية تدفعهن إلى خلاف رغباتهن فإن تبني مثل هذا الاقتراح سوف يحقق فوائد عظيمة تعود ثمارها على المجتمع بأسره. 
إن هذا الاقتراح لا يهدف في أي حال من الأحوال إلى قتل الطموح لدى المرأة أو منعها من العمل أو مواصلة دراستها إلى ما بعد الثانوية، فلكل امرأة حق الاختيار دون أي فرض أو قسر. ولكن هذا القانون يهدف إلى تحقيق التوازن الطبيعي المستقر في الإرث الإنساني العظيم، ويمكّن الأم من خلق شعب طيب الأعراقِ. كما أن هذا الاقتراح لا يمنع أية امرأة من العمل خارج البيت ولكن في هذه الحالة سوف تفقد المسمى الوظيفي الرفيع الممنوح لها بلا منازع عبر الزمان، إلا وهو: (ربة البيت)، وسوف تستبدله بمسميات أخرى لا تكون هي (الربة) في موقعها بل تابعة أو خاضعة لغيرها. 
أن دولة كدولة قطر أقسم فيها الأمير "أن يكون المواطن القطري أعز مواطن، يُغبط من غيره لكونه قطريا، ويقول لو لم أكن قطريا لتمنيت أن أكون قطريا" لا تعجز عن تقرير صندوق استثماري أو أوقاف خاصة يخصص ريعها لهذه المخصصات التي تحيي فيه دور الأم.

هذا والله من وراء القصد

أملاك الدولة.. بين الحماية وشرعنة الاعتداء عليها

أملاك الدولة.. بين الحماية وشرعنة الاعتداء عليها
2011-12-27


في الأسبوع الماضي أنشأ سمو نائب الأمير لجنة حماية أملاك الدولة برئاسة سعادة وزير الدولة لشؤون الداخلية، تهدف إلى حماية أملاك الدولة ومنع التعدي عليها. ولا شك أن إنشاء مثل هذه اللجنة أمر جميل للغاية ويصب في المصلحة العامة ويضع لبنة جديدة في بناء دولة القانون. كما أن اختيار وزير الدولة لشؤون الداخلية سعادة الشيخ عبدالله بن ناصر لرئاسة هذه اللجنة أمر جميل آخر، لما عرف عن هذا الرجل من صدق وإخلاص وإبداع وإتقان انعكس على عمله حقاً، فذهب في مهام وزارته إلى مصاف الكمال.
وأملاك الدولة التي جاء إنشاء هذه اللجنة لحمايتها تنقسم إلى أملاك عامة وأخرى خاصة. فأملاك الدولة العامة هي العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة والتي تكون مخصصة للمنفعة العامة بالفعل أو بموجب تشريع. ومن أمثلتها ما قررته المادة (3) من قانون رقم (10) لسنة 1987 كشواطئ البحر، والشوارع والطرقات والموانئ والمرافئ والمراسي وخطوط النقل والمواصلات والآثار والمتاحف والمكتبات العامة وغيرها. أما أملاك الدولة الخاصة فهي التي تكون مملوكة للدولة أو لأحد أشخاص المعنوية العامة ولكن لا تكون مخصصة للمنفعة العامة أو انتهى تخصيصها للمنفعة العامة.
ومن أمثلتها الأراضي التي لا مالك لها والتي تقع داخل حدود المدن والقرى أو خارجها والقطع المتروكة من أملاك الدولة العامة كفضلات الطرق والمساحات العامة وغيرها مما جاء في المادة (9) من قانون أملاك الدولة الخاصة والعامة.
والحماية التي قررها القانون لأملاك الدولة تتمثل في أنه لا يجوز التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات القانونية أو الحجر عليها أو تملكها بالتقادم أو سحب أي حق عيني عليها، أو حيازتها أو استغلالها بأي وجه، وأن أي أمر يتم بالمخالفة لذلك يقع باطلاً ويجوز إزالته إدارياً.
ولكن هذه الحماية المقررة قانوناً لأملاك الدولة ترد عليها استثناءات، قد تذهب بقيمتها، إذ يجوز بمرسوم أن يمنح لشخص طبيعي أو معنوي امتياز بالانتفاع أو باستغلال مال معين من أملاك الدولة العامة، كما يجوز بمرسوم الترخيص بالانتفاع بأملاك الدولة الخاصة. علاوة على أن القانون يجيز للحكومة أن تتنازل عن الحماية المقررة لأملاك الدولة بموجب اتفاق أو تعهد.
ولا شك بأن التصرف في أملاك الدولة أمر قد تقتضيه ضرورات المصلحة العامة والعمل وإدارة واستثمار أملاك الدولة بشكلٍ أمثل، ولكن ترك هذا الأمر للترخيص أو للأداة التشريعية (مرسوم) أمر تكمن فيه خطورة قد تجعل الاعتداء على أملاك الدولة أو توزيعها أو إهداءها مشروعاً. لذا كان من الأفضل أن يجاز ذلك بالأداة التشريعية (قانون)، وهي أداة يشترك مجلس الشورى في سنها ولا تنفرد بوضعها السلطة التنفيذية، لاسيما إن كان مجلس الشورى منتخباً وبه أعضاء يمثلون الشعب، علاوة على ما يمتاز به القانون كأداة تشريعية من علنية في مناقشة مشروعاته ونشره في الجريدة الرسمية.
بقي أن نقول إن فاعلية دور لجنة حماية أملاك الدولة التي أنشئت في الأسبوع الماضي سوف تتوقف على مدى التعامل مع جميع الانتهاكات والتجاوزات على القدر ذاته دون محاباة أو غض للطرف. فلا يغفل، على سبيل المثال، عن فلان الشريف لسرقته مئات الكيلو مترات المربعة ووضع يده عليها، ويمسك بفلان الضعيف لأنه اعتدى على الأرض المجاورة لمنزله بأن أقام عليها خيمة يستقبل بها ضيوفه أو "طبيلة" تستظل بها سيارته. ونستهدي بهدي النبي صلى الله عليهم وسلم ونستشهد بما قال: ((يا أَيُّهَا الناس إنما ضَلَّ من كان قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وإذا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عليه الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لو أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يدها)).
وهذا فعلاً ما نلتمسه في سعادة وزير الدولة لشؤون الداخلية الذي لا تأخذه في الحق ولا في تطبيق القانون لومة لائم.. والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa