الاثنين، 26 سبتمبر 2011

المؤسساتية والزعامة

المؤسساتية والزعامة
2011-09-27



عاشت الشعوب العربية طويلاً وهي تحلم في كل ليلة خروج ذلك الزعيم المخّلص الذي لم تلوثه الشهوات ولم ينغمس في الملذات وحب الذات، فينشر العدل والمساواة والأمن والخير ويعيد للأمة كرامتها وللعروبة عنفوانها وللإسلام عصره التليد.
عشنا طويلا ننتظر ذلك، فثقافتنا زُيفت بأيدي الطغاة، فلم تستوعب أننا كشعوب ولدنا أحراراً أصحاب حقوق. وأن من حقنا أن نحكم أنفسنا بأنفسنا، ومن حقنا أن نختار من يحكمنا، ومن حقنا أن نحاسبه ونقوّمه إن أخطأ، وأن نعزله إن طغى وأفسد وعربد، وأنّ خير الجهاد مواجهة عدو الداخل الظالم الفاسد.
عشنا طويلا ونحن مُسلّمون بأننا لسنا أصحاب القرار ولسنا ملاك الدار، وأن علينا السمع والطاعة، وأن غاية ما نملكه هو الدعاء: "بأن يرزق اللهُ حاكمنا وولي أمرنا البطانة الصالحة". ولا أدري متى بالتحديد وضع هذا الدعاء ومن هو أول من دعا به، ولكنه بلا شك جاء بعد أن انُتزع القرار من يد الأمة وتحولت الدولة إلى قيصرية كسروية، وراثية، يُفرض عليها الأمر دون أن تشترك فيه. وهو دعاء يظهر مدى سوء الحال الذي نحن عليه إذ يترك مصير الأمة بأسرها لعقل شخص واحد تؤثر عليه بطانته التي يختارها هو.
وكنا عندما يستجيب الله دعاءنا ويتولى زمام أمرنا مَن نظنُ فيه الخير، أمام رجلين: إما أن يسير فينا سيرة حسنة فيعاجله القدر ويأتي بعده من هو الشر كله. أو أن يسير فينا سيرة حسنة ثم ما يلبث حتى ينفرد بالقرار ويستبد ويطغى ويظن أنه هو الصلاح، وأن الخلاص لا يتم إلا به، وأنه زعيم الأمة الخالد فيكون الشر كله.
آن الأوان لا لأن ننتظر زعيماً مخلصاً مهدياً منتظراً، بل، آن الأوان لأن نسعى إلى دولة المؤسسات والقانون. دولة تبنى على أسس العدل والمساواة وتكافؤ الفرص والمسؤولية والمحاسبة والخير والرفاهية والأمن والأمان لكل الشعب. دولة لا تتعلق بشخص واحد إن صلح صلحت الدولة وإن فسد فسدت الدولة. بل تقوم على كل الشعب عبر مؤسسات تعبر عن ضميره، يرسم حدودها واختصاصاتها ويملك تغيير أعضائها عبر التداول السلمي للسلطة.
آن الأوان لأن نخُط دستورنا بأيدنا، وأن تكون لنا حكومة منتخبة، وبرلمان منتخب، وقضاء مستقل ومنظمات مجتمع مدني حرة ترصد وتراقب، وإعلام حر، وجهة مستقلة تراقب المال والإيراد والصرف والاستثمار العام.
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 2 مايو 2011

هبوا إلى صناديق الاقتراع

هبوا إلى صناديق الاقتراع
2011-05-03


لم أجد لدى العديد من المواطنين والمثقفين طيلة الأسابيع الماضية الحماس للحديث عن انتخابات المجلس البلدي المركزي، رغم اقتراب موعد الاقتراع، ورغم تسليط بعض وسائل الإعلام المحلية الضوء عليه، ومحاولة الصحف اليومية تخصيص صفحات كاملة للتعريف بالمرشحين ونقل برامجهم الانتخابية وطموحاتهم الفتيّة، وآمالهم التي يتمنون تحقيقها إذا فازوا بعضوية هذا المجلس.
لاشك أن الظروف التي تمر بها المنطقة العربية من ثورات شعبية شبابية مخلصة، سأمت الطغيان والاستبداد وفساد الحاكمين، وكانت سبباً في صرف انتباه الكثيرين منا عن هذا الحدث المحلي المتواضع، فلم يعد مجرد مجلس ذي صلاحيات محدودة، فقد بريقه خلال التجارب الماضية يلفت الاهتمام، في خضم بحر جارف من أماني الشعوب العربية بالتغيير والإصلاح والمشاركة الحقيقة في اتخاذ القرار السياسي.
ورغم صدق كل ما سبق، إلا أنني أتمنى أن يمارس كل مواطن قطري حقه السياسي في اختيار من يمثله في المجلس البلدي، فقد ظلت الانتخابات فترة طويلة جداً تقارب الخمسين عاماً "بعبعاً" تتخوف الجهات التنفيذية منه، فتستبدله بالتأجيل تارة، وبالتعديل التشريعي لتبني أسلوب التعيين، تارة أخرى، ذلك أن المشرع كشف عن رغبته بتبني الانتخاب أسلوباً لاختيار أعضاء المجلس البلدي منذ الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق إلا مع انتهاء ذلك القرن.
ويعود أحد الأسباب الحقيقية من تخوف بعض الحكومات من أسلوب الانتخاب إلى ما يشكله هذا الأخير من آليةٍ تجعل عضو المجلس النيابي أو التمثيلي ممثلاً عن الشعب ونائباً عنه ومستمداً قوته منه، فهو إن مارس دوره في المجلس مارسه من وحي هذه القوة الشعبية دون خوفٍ أو وجل، ودون أن ترتدي مطالبه ثياب التردد والخجل أو الانكسار والمذلة، فيرتقي عمل المجلس ويفعل دوره وتزاد المطالب بإدخال إصلاحات جديدة عليه وزيادة صلاحياته مع الزمن، أما إن كان أعضاء المجلس معينين من قبل الحاكم، فإنهم بالتالي مرتبطون أدبياً بمن عينهم، فلا يخرجون عن طوعه وتوجيهاته، فله الفضل في تعيينهم وباستطاعته استبدالهم، وإن كانت لهؤلاء مطالب فتقدم من قبلهم إلى صاحب الأمر على استحياء وبمبررات خجولة قد لا تعكس أهميتها، فيبقى دور المجلس كما هو دون إصلاح أو تطوير.
لذا فإن ممارسة كل مواطن قطري حقه في انتخاب أعضاء المجلس البلدي رغم محدودية دوره، مطلب مهم لتطويره وزيادة صلاحياته مع الزمن، لكن هذا الأمر، بلا شك، لا يتحقق إلا إذا اقترن بحسن اختيار الناخب لممثله، وأن يبنى الاختيار على أسس موضوعية ومن خلال السؤال عن المرشح وسيرته وما يكشفه برنامجه الانتخابي من صدق.
من جانب آخر مرتبط بهذه المناسبة، سعدت كثيرا بصدور أول حكم قضائي يتعلق بانتخابات المجلس البلدي في دولة قطر، والتي تتلخص وقائعه في تقدم أحد المواطنين القطرين الراغبين في ترشيح نفسه لعضوية المجلس البلدي إلى لجنة الناخبين بطلب (قيد مرشح) وذلك باعتباره ناخباً بإحدى الدوائر، إلا أنه فوجئ باستبعاد اسمه من جداول الناخبين بهذه الدائرة! وقد تظلم هذا المواطن للجنة الناخبين من حذف اسمه، إلا أن اللجنة أوردت أن سبب ذلك يرجع لاعتراض أحد الناخبين بزعم عدم وجود محل إقامة له بالدائرة التي رشح نفسه بها، وأنه يقيم مع والده في دائرة أخرى، إذ إن المشرع تطلب صراحة من بين شروط المرشح لعضوية المجلس البلدي المركزي أن يكون مقيداً بجدول الناخبين في الدائرة التي يرشح نفسه فيها وأن يكون مقيماً بها إقامة دائمة، ورأت المحكمة أنه من المقرر في قواعد الإثبات أن البينة على من يدعي خلاف الأصل، وحيث إن القرار الصادر عن لجنة الناخبين قد قام على تحريات خلت من أي دليل ينفي الأصل، وقد قدم المواطن بطاقته الشخصية الثابت بها محل إقامته وعقد إيجار مسكنه الكائن بالدائرة المتقدم لها ومستندات قبض القيمة الإيجارية الدالة على استمرار إقامته الدائمة بهذا المسكن، فضلاً عما قرره مالك المسكن بشهادة محررة منه تفيد استمرار المواطن بذات المسكن، لذا خلصت المحكمة إلى أن قرار لجنة الناخبين غير قائم على سبب صحيح من الواقع والقانون، خليقاً بالإلغاء مع ما يترتب على ذلك من آثار أهمها أحقية هذا المواطن في الترشيح لعضوية المجلس البلدي المركزي عن الدائرة المقصودة.
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 25 أبريل 2011

دساتير في دول ذات أنظمة غير دستورية

دساتير في دول ذات أنظمة غير دستورية
2011-04-26


لكي تكون الدولة ذات نظام دستوري لا يكفي أن يكون لها وثيقة دستورية تضم مبادئ أساسية تنظم الحكم والسلطات العامة فيها وتؤكد على كفالة الحقوق والحريات لمواطنيها، وتزعم أن نظامها ديموقراطي وأن الشعب مصدر السلطات، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والحريات العامة، بل ينبغي أولاً: أن تنبع هذه المبادئ والقواعد من ضمير الشعب، وأن تكتب بأيدي الشعب، وأن تعتمد بموافقة الشعب، وثانياً: أن يؤمن العاملون على تنفيذها بقدسيتها وبوجوب احترامها، بما يضمن تطبيقها في الواقع العملي، ولا خلاف بعد ذلك إن جاءت هذه المبادئ والقواعد في وثيقة رسمية تسمى "الدستور" أو كانت مجرد قواعد عرفية تشكلت عبر الزمان، فدولة كبريطانيا ليست لديها وثيقة رسمية تسمى دستور، ولكن لا ينكر أحد من رجال القانون والسياسة أنها دولة ذات نظام دستوري.
أما الدول ذات الأنظمة غير الدستورية، فهي على ثلاث صور: فإما دولة ليست لديها وثيقة دستورية، ولا تعرف إلا الحكم المطلق، أو دولة لديها وثيقة دستورية ولكن هذه الأخيرة وضعت لتكرس الاستبداد والانفراد في الحكم دون مشاركة الشعب في اتخاذ القرار السياسي، أو دولة لديها وثيقة دستورية تحتوي نصوصاً ومبادئ استقت من أفضل الممارسات الديموقراطية في العالم، ولكن هذه النصوص مجرد مواد خاوية، فارغة من معناها، لم يساهم الشعب في وضعها، ولم يؤمن الحاكم بقدسيتها، ولم يدرك أهمية معناها، بل هي نصوص اقتبست من هنا وهناك، وزينت بها صفحات الوثيقة للتجميل الخارجي مع بقاء الداخل سقيماً مريضاً، وعند أول تعارض بين مصالح الحاكم وبين هذه النصوص الدستورية تستبدل أو تعدل أو تهجر أو تعطل.
فوجود الوثائق الدستورية في دول الحكم المطلق لا تحول أنظمتها إلى أنظمة دستورية، لذا، وفي خضم الثورات العربية لم يلق المجتمع الدولي ولا الشعوب الثائرة أهميةً لتصريح سيف الإسلام بن القذافي بأن "ليبيا لن تعود كما كانت وأن عصر الجماهيرية الأولى ولّى وأن الدستور الجديد لليبيا جاهز". أو إعلان علي عبد الله صالح "تمسكه بالدستور اليمني للوصول إلى تسوية للأزمة"، أو قبل هذا وذلك بيان مبارك عدم حل مجلس الشعب المصري وأهمية إبقائه لاشتراط الدستور وجوده عند إجراء أي تعديل على مواده.
إن إصدار دولة ما وثيقةً دستوريةً لها، أمر مهم وله فوائده، ولكن الأكثر أهمية وفائدة أن يتمتع أفراد الشعب بالمواطنة الحقيقية والتي تقتضي كفالة حقوقهم وحرياتهم على قدم المساواة بينهم جميعاً، وأن يكونوا أصحاب القرار دون وصايةٍ عليهم من أحد، فلم يكونوا يوماً غير مميزين أو قاصرين سياسياً أو ذوي عتهٍ أو جنون لا يصلحون للمساهمة في تصريف شؤون البلاد والحكم.
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

الاثنين، 18 أبريل 2011

تقرير المنجزات والخطة السنوية للدولة

تقرير المنجزات والخطة السنوية للدولة
2011-04-19


تنص الفقرة (11) من المادة (121) من الدستور الدائم لدولة قطر على اختصاص مجلس الوزراء بـ"إعداد تقرير في أول كل سنة مالية، يتضمن عرضاً تفصيلياً للأعمال الهامة التي أنجزت داخلياً وخارجياً، مقروناً بخطة ترسم أفضل الوسائل الكفيلة بتحقيق النهضة الشاملة للدولة وتوفير أسباب تقدمها ورخائها، وتثبت أمنها واستقرارها، وفقاً للمبادئ الجوهرية الموجهة لسياسة الدولة المنصوص عليها في هذا الدستور، ويرفع التقرير للأمير لإقراره". ونص هذه الفقرة يتماثل تماماً مع الفقرة (12) من المادة (34) من النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستورنا السابق 1972). كما أن لهذا النص أصلا تاريخيا في أول دستور مكتوب للدولة وهو نص الفقرة (9) من المادة (37) من النظام الأساسي المؤقت (1970).
وعودة لهذا التقرير، نجد أن مجلس الوزراء يجب أن يقوم بإعداده في أول كل سنة مالية، أي في الأول من أبريل من كل عام، وقد مرت قبل أيام محدودة بداية السنة المالية لدولة قطر، ولا أدري! هل أعد هذا التقرير أو لم يعد؟ كما أنني لا أذكر أني قرأت يوماً في الصحف المحلية خبراً يتعلق بهذا التقرير، لا في هذه السنة ولا في السنوات السابقة، لاسيما وأن هذا النص متوارث عن دساتيرنا السابقة، وليس أمراً مستحدثاً جاء به الدستور الدائم للدولة. وإذا كان هذا النص مفعل فعلاً، فيجب أن يكون لدينا في الأرشيف التاريخي لدولة قطر أكثر من أربعين تقريراً حتى الآن! هذا إن قلنا إن المشرع الدستوري أوجب على مجلس الوزراء بإعداد مثل هذا التقرير منذ عام 1970.
ولا أعتقد إن مثل هذا التقرير ينبغي أن يكون سرياً، لا يطلع عليه أحد من المواطنين، بل على العكس يدفعنا كل من: مبدأ الشفافية ومبدأ المصداقية إلى الإعلان عنه ونشره حتى يلاحظ الرأي العام على الأقل مدى سير الحكومة عليه. كما أن تعلق هذا التقرير بالدولة وتحقيق نهضتها الشاملة، وأسباب تقدمها ورخائها يفرض على الحكومة أن تعلن عنه وتكشفه للملأ. فنهضة الدولة وتقدمها أمر يهم الجميع، والمواطنون شركاء حقيقيون، وتفترض الحكمة ألا يستبعدوا حتى تأتي الخطة ثمارها. هذا إلا إذا كان هذا النص مجرد نص لا يترجم مضمونه في الواقع العملي، مثل نصوص عديدة في الدستور، كتبت ولم تفعل إلى الآن!.
على أي حال، فبالعودة إلى نص الفقرة (11) من المادة (121) من الدستور، نجد أن هذا التقرير ينقسم إلى قسمين رئيسيين: أحدهما يتعلق بالماضي، ويتمثل في عرض الأعمال الهامة التي أنجزت داخلياً وخارجياً، وهذا العرض يشترط أن يكون تفصيلياً. أما القسم الثاني من التقرير فيتعلق بالمستقبل القريب المحدد بمدة سنة واحدة، ويتضمن هذا القسم الخطة التي ترسم أفضل الوسائل الكفيلة بتحقيق النهضة الشاملة للدولة وتوفير أسباب تقدمها ورخائها وتثبيت أمنها واستقرارها. وهذا القسم من التقرير لا شك بأنه سيكون ماضيا عند إعداد التقرير في السنة اللاحقة، وسوف تشكل المنجزات التي تحققت وفقاً له القسم الأول من التقرير للسنة القادمة، وهكذا، وبتتابع في كل سنة.
وأخيراً، يشترط الدستور في الخطة التي توضع في هذا التقرير أن تكون وفقاً "للمبادئ الجوهرية الموجهة لسياسة الدولة المنصوص عليها في هذا الدستور". ولكن بالعودة إلى الدستور الدائم لا نجد أية إشارة لهذه المبادئ الجوهرية، فهذه الأخيرة كانت بالفعل موجودة في النظام الاساسي المؤقت (دستور 1970) ، وفي النظام الأساسي المؤقت المعدل (دستور 1972)، وكانت تأتي في الباب الثاني منهما وتشتمل على: المبادئ السياسية، والمبادئ الاقتصادية، والمبادئ الاجتماعية، والمبادئ الثقافية. أما دستورنا الحالي فأستعيض عنها بباب " المقومات الأساسية للمجتمع"، فهل نقل واضعو دستورنا الحالي هذا النص من النظام الأساسي المؤقت "حرفياً" دون أن يتحملوا حتى عبء إعادة صياغته ليتفق ما يتضمنه الدستور حقيقةً ؟. أم إنه دليل آخر على عدم الجدية في تنفيذ نصوص الدستور؟
هذا، والله من وراء القصد.

halsayed@qu.edu.qa

أعضاء مجلس الشورى ما قصرتوا و حان توديعكم..!! للكاتبة مريم آل سعد



(أعضاء مجلس الشورى ما قصرتوا و حان توديعكم..!!)

مقال للكاتبة القطرية مريم آل سعد، منعت جريدة العرب نشره بالأمس 17 ابريل 2011

يعكف الدكتور حسن السيد على إصدار سلسلة من المقالات التثقيفية بالدستور، من خلال زاويته بجريدة الشرق، و كونه أستاذا بالقانون و مهتما حتى النخاع بالدستور، تبقى مقالاته ممتعة و ذات فائدة.
من بين المقارنات التي ساقها الدكتور السيد بين مجالس الشورى في مجلس التعاون نكتشف بأن مجلسنا الموقر أضعفها اختصاصا، حيث يوضح بأن المجلس السعودي عليه تغيير نصف الأعضاء على الأقل بعد أربع سنوات من تعيينهم، و لا يجيز الجمع بين عضوية المجلس و أية وظيفة حكومية أو مجلس إدارة أو شركة، كما أن للمجلس السعودي دورا تشريعيا يتمثل في اقتراح مشروع أي قانون جديد أو تعديل آخر مطبق، و له دورا بدراسة مشروعات المعاهدات و الاتفاقيات الدولية و اتخاذ القرارات بشأنها.
كما أن دوره التشريعي بمناقشة مشروعات القوانين و دراستها ينتهي بقرارات ترفع إلى مجلس الوزراء، فإذا اتفقت الرؤيتين تم رفعها للملك ليتم تصديقها، و إلا تعاد مرة أخرى إلى مجلس الشورى لربما يقتنع بملاحظات مجلس الوزراء، و سواء اقتنع أو احتفظ برأيه فأنها ترفع بعد ذلك للملك ليعطي الكلمة الأخيرة.
و أما مجلس الشورى العماني الذي تأسس بعد عشرين سنة من القطري فأنه يتطور بأسرع منه، و لا تتوقف التعديلات طوال طريق مسيرته، فمن نظام شبه تعيين إلى فتح باب الترشيح و الانتخاب للمرأة، و جعل أصوات الناخبين المفتاح الوحيد لدخول المجلس، و تطبيق الانتخاب العام السري المباشر.
و يملك مجلس الشورى العماني تقديم ما يرى من شأنه تطوير القوانين، كما أنه يطلع على كامل الموازنة العامة قبل اعتمادها و مناقشة مشروعات القوانين و دراستها.
إلا أن القطري كما نعلم جميعا لا يحق له اقتراح أو تعديل أي قانون و يعتبر ذلك من اختصاص الحكومة فقط، و يتوقف عند تقديم توصياته الغير ملزمة، و يتم إبلاغه بشأن المعاهدات التي تعقدها الدولة دون أن يملك خاصية دراستها أو حق أبداء رأيه بشأنها، علما بأنه لم يتم تفعيل المحكمة الدستورية للآن و التي تختص بتفسير القوانين، كما أنه لا يطلع على ميزانية المشروعات و يناقشها.
أن من مميزات رجال قطر الصمت و التواري و الهدوء حتى يظن المرء بأن البلاد خالية منهم، مما كرس إحباطهم و عزز عزلتهم، ربما لعزة أنفسهم من التزاحم لإثبات وجودهم و إظهار أفكارهم التي لا تتناقض مع السلطة كونهما يتطلعان معا للصالح العام المكون منهما المواطن و الحكومة، و أن ارتفعت أصواتهم هنا وهناك بين الفينة و الأخرى و ذلك حسب ظروف النشر الممسوحة لهم، لعدم وجود المنابر الطبيعية للتعبير.
لا يلومنا أحد إذا التفتنا فلم نجد إلا خواء، و حكمنا على الساحة القطرية بناء على ذلك، و لا أحد يلوم أيضا رجال قطر و مثقفيها و أحرارها على صمتهم و ابتعادهم عن الضجيج، فالظروف العامة معروفة و لا تسمح بالحوار النقي و المشاركة الايجابية.
في ضوء كل ما سبق فأننا ندعو إلى تشجيع و دعم جمعيات المجتمع المدني، و إلى الإعداد لظهور مجلس الشورى المنتخب، ليس فحسب بتنظيم لجان الانتخابات و أسلوبها و آلياتها بل بفرض الأهم، و هو تفعيل الحياة الانتخابية في المجتمع، و بث الحماس فيها و تجديدها، و إعادة الثقة بنوايا الحكومة و رغبتها بتحقيق الديمقراطية و تكريس نهجها.
ندعو سمو الأمير المفدى إلى تغيير الثوب البرلماني بتوديع أعضاء مجلس الشورى الحاليين، و ما قصروا و أدوا واجبهم على أحسن وجه مسايرا المرحلة التي أتوا منها، لكننا في الوقت الحالي نعيش مرحلة أخرى متدفقة حماسية عليها ألا تخيف الحكومة لأن المجلس بالتعيين أساسا و لكنها ضرورية لإعداده للمرحلة القادمة التي يواجه بها رأي الشارع، و يكون مستعدا له لا ضامنا خططه و أسلوبه غير هيابا إلا من السلطة السياسية وحدها التي عينته و تحاسبه، بل عليه أن يمثل له وجوده كعضو مجلس شورى هاجسا و امتحانا و مسائلة من قبل الشعب.
أملنا في سمو الأمير كبيرا لمناداته و أيمانه الشخصي بالديمقراطية ليتبناها و ذلك بتغيير الوجوه في المجلس الحالي، و تنقيحه بنماذج من الشباب المتحمس الذي يحمل أفكارا و رؤى من شأنها تحريك و دفع أداء الحكومة و تنشيطه.
من الأسماء المرشحة الدكتور علي الكواري و الدكتور حسن السيد لما يحملانه من فكر و تجربة و مراقبة و معايشة بمراحل هذا المجتمع، و حفظ الله قطر و الأمير والشعب.

من أيّ الملكيات نحن؟

من أيّ الملكيات نحن؟
2011-04-12


الدولة الملكية هي التي يتم اختيار رئيس الدولة فيها بأسلوب الوراثة، وبغض النظر عن المسميات، فقد تسمى مملكة، أو سلطنة، أو إمارة، أو إمبراطورية، أو دولة. وكانت أغلب الدول قبل قيام الثورة الفرنسية ذات أنظمة ملكية، وكذلك كانت أغلب الدول العربية قبل موجة انقلابات العسكر في العقود الوسطى من القرن الماضي. وليس للنظام الملكي ارتباط بتقدم الدول أو تأخرها، فقارة كأوروبا مثلا بها اليوم أكثر الدول ذات الأنظمة الملكية في العالم، في حين ليس في إفريقيا إلا دول محدودة.
وتتنوع الدولة الملكية إلى ملكية مطلقة وملكية مقيدة وملكية دستورية.
+وتصنيف الدولة الملكية وفقاً لإحدى هذه التسميات يعود بالدرجة الأولى إلى مدى تمتع الملك بالسلطة أو حرمانه منها أو مشاركته أبناء شعبه إياها.
ففي الملكية المطلقة ينفرد الحاكم بالسلطة، وإليه ترجع الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرار ويكون الشعب مستبعداً نهائياً عن شؤون السياسة، فتسن التشريعات دون مشاركته، وتبرم الاتفاقيات دون موافقته، وتمنح الامتيازات دون معرفته، وتقاس وطنية الأفراد بدرجة طاعتهم وانصياعهم لأوامر الحاكم وولائهم له. في هذا النوع من الملكيات يبقى الحاكم رغم اختصاصاته الواسعة ذا قدسية، فذاته مصونة لا تمس، ولا تمكن مساءلته عن أي خطأ سياسي يرتكبه. وتغلب فيها مصلحة الحاكم وأسرته وبطانته، على مصالح العامة، وتنتهك فيها المساواة، وقد يساء فيها استعمال السلطة وينحرف بالقانون ويطوع ويفسر وفقاً للأهواء والمطامع.
وتبقى الدولة ذات نظام ملكي مطلق وإن تعددت الأجهزة والسلطات بها، فهذه الأخيرة تكون مجرد أجهزة شكلية من الجانب السياسي، وتقوم بدور إداري وتنظيمي وفقاً لتشريعات انفرد الحاكم بوضعها، ولا يحق لهذه الأجهزة أن تخالف توجيهاته، أو تعمل ضد مصلحته. ولا يوجد في هذا النوع من الملكيات برلمان منتخب، إنما مجلس معين يقدم توصيات غير ملزمة في العادة. أما الحكومة فهي كذلك معينة من الحاكم ومسؤولة أمامه، وهو يملك إقالتها.
أما الملكية المقيدة فهي مرحلة تعقب في العادة مرحلة الملكية المطلقة، حيث تتقلص شيئاً ما سلطات الحاكم وتقيد اختصاصاته لصالح الشعب. وتاريخياً نشأت هذه الملكية في بريطانيا عند القضاء على حكم آل ستيوارت (The House of Stuart)، في الثورة المجيدة (Glorious Revolution)، عام 1688، وإقامة حكم أسرة أورانج الذي قيد بوثيقة الحقوق (Bill of Rights)، في عام 1689. في الملكية المقيدة لا يزال الحاكم يتمتع بالكثير من الصلاحيات، فله دور أساسي في سن التشريعات، وفي تعيين الوزراء وإعفائهم من مناصبهم ومسؤولية هؤلاء أمامه، وحقه في حل البرلمان. ولكن بجوار هذه الصلاحيات يوجد برلمان منتخب بالكامل من قبل الشعب، يشترك مع الحاكم في سن التشريعات ويسأل الوزراء ويسحب الثقة منهم ومن الحكومة، ويقر الموازنة العامة ويعتمد الحساب الختامي للدولة.
أما الملكية الدستورية (Constitutional Monarchy) ففيها تتقلص سلطات الحاكم أكثر فأكثر لصالح الشعب، حتى لا تبقى له إلا اختصاصات شرفية، أما السيادة فتكون للشعب فهو مصدر السلطات يمارسها من خلال برلمان منتخب، ورئيس حكومة منتخب، هو في الغالب زعيم الأغلبية، يكون هو وأعضاء حكومته مسؤولين أما البرلمان.
هذا، والله من وراء القصد.

مقارنات: مجلس الشورى العماني

مقارنات: مجلس الشورى العماني
2011-04-05


رغم أن سلطنة عمان قد أنشأت مجلس الشورى في عام 1991، أي بعد عشرين سنة من إنشاء مجلس الشورى القطري، إلا أن المتتبع لمسيرة هذا المجلس يشعر بصدق النية نحو تطويره تدريجياً. إذ لا يكاد ينتهي فصل من عمر المجلس إلا وأدخل على نظامه تعديلاً يهدف إلى تحقيق ذلك.
يد التطوير التي لامست مجلس الشورى العماني تتضح بجلاء من خلال إلقاء الضوء على تطور أسلوب اختيار أعضاء المجلس. فمن نظام شبيه بالتعيين يتمثل في اختيار أعضاء المجلس عن طريق ترشيح الشيوخ والأعيان لهم عام 1991، إلى زيادة عدد الأعضاء والعمل بقاعدة عضوين لكل ولاية يزيد عدد مواطنيها على ثلاثين ألف نسمة عام 1994، إلى فتح الباب أمام المرأة للترشيح والانتخاب كأول دولة خليجية تجيز للمرأة ممارسة حقوقها السياسية عام 1997، إلى جعل أصوات الناخبين المعيار الوحيد للفوز بعضوية المجلس عام 2000، إلى الأخذ بأسلوب الانتخاب العام السري المباشر عام 2003.
إن أهمية الانتخابات عموماً كأسلوب لاختيار الأعضاء تكمن في ما تبثه في نفوس هؤلاء من قوة وطاقة، وهم يستشعرون بأنهم ممثلو الشعب فينعكس ذلك على أدائهم، ويصبحون شخصيات غير نمطية تسعى إلى الإصلاح وتطالب بالمزيد من الصلاحيات، هذا على خلاف الأعضاء المعينين الذين تنكسر نفوسهم وشخصياتهم أمام من يدينون له بالفضل، فلولاه لما أصبحوا أعضاء في المجلس، واستمرارهم فيه مرتهن برضاه عنهم، فلا تكون لهم مطالبات إصلاحية، وإن كانت لهم، فتقدم على استحياء.
وعندما نتكلم عن سمو نفوس الأعضاء المنتخبين هنا، نتكلم عن أولئك الذين يمثلون الإرادة الحقيقية للشعب، وليس من انتهك القانون وباع الأمة قبل وصوله للمجلس، إذ ليس من المستغرب أن يبيعها، هذا، ثانية بعد وصوله إلى أحد مقاعد المجلس.
هذه الصورة المشرقة ليد التطوير التي لامست أسلوب اختيار أعضاء مجلس الشورى العماني، للأسف الشديد، لم تجارها اليد الأخرى لتطوير صلاحيات هذا المجلس نحو العمل البرلماني الحقيقي.
ورغم ذلك نجد مجالات أخرى للمقارنة بين مجلس الشورى العماني ومجلس الشورى في دولة قطر، قد يفتقدها هذا الأخير. أحدها على سبيل المثال، تخصيص مجلس الوزراء في سلطنة عمان لاجتماع سنوي يحضره رئيس وأعضاء مكتب مجلس الشورى وذلك بغرض متابعة مجالات التنسيق بين الحكومة من جهة والمجلس من جهة أخرى. وثانيها، أن مجلس الشورى العماني وإن كان لا يملك حق اقتراح القوانين ابتداء، إلا أنه يملك تقديم ما يراه بشأن تطوير القوانين النافذة في السلطنة. ثالثها، أن مجلس الشورى يطّلع على كامل مشروع الموازنة العامة قبل اتخاذ إجراءات اعتمادها، وليس فقط موازنة المشروعات الرئيسية.
إن هذه المقارنات تؤدي للأسف الشديد إلى تصنيف مجلس الشورى القطري الحالي المعين في درجة أدنى من مجلس الشورى العماني، رغم تواضع دور هذا الأخير، كما أن المقارنة السابقة مع مجلس الشورى السعودي أظهرت تفوق هذا الأخير علينا كذلك، فمتى نفعل المواد المؤجلة من الدستور الدائم؟ ونتجنب قعر القائمة!
هذا، والله من وراء القصد.
halsayed@qu.edu.qa